بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٧١ - الثالث نسب تعالى الجعل الى نفسه العليم الحكيم فإنه سبحانه اعلم حيث يجعل إمامته كما انه
و الرسالة و مصداقهما توضيح ذلك ان النبي و الرسول صفتان مشبهتان أخذتا من الفعل اللازم فالرسول رسالة من رسل يرسل باعتبار كونه حاملا للرسالة التي تلقاها من رسل السماء و النبي من أخذ النبإ من الله سبحانه من غير واسطة و صار حاملا إياه من دون عناية أخذه من سفير أو رسول اليه و كلاهما يقعان مفعولا لبعث و أرسل قال تعالى فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ البقرة/ ٢١٣ قال تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا الجمعة ٢٠ قال تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىٰ*- الصف ٩ و التوبة ٣٢.
و مما ذكرنا يعلم ان تفسير الرسول بمن أرسل إليه الوحي و أمر بالبلاغ و النبي من أوحى إليه سواء أمر بالبلاغ أو لم يؤمر في نهاية الوهن و السقوط ضرورة أن البلاغ و عدمه خارجان عن مفهوم اللفظين و أجنبي عنهما لما عرفت أنهما مأخوذان من الفعل اللازم فلا محصل ان يقع الرسول و النبي بعد الأمر بالبلاغ مفعولا لبعث و أرسل و ليت شعري كيف يصح تفسير الامام بالرسول و النبي مع تباينهما مفهوما و مصداقا و تباين كلا اللفظين مع الامام مفهوما و مصداقا فالإمامة أمر تشريعي مولوي على ما سيأتي بيانه إن شاء الله و الرسالة و النبوة أمر عيني خارجي لأنهما عبارة عن العلم المفاض من الله سبحانه على إنسان مع الواسطة أو بدونها فان قلت أن الامام في اللغة من يؤتم به و يقتدى به و هو ينطبق على من يقتدى به في الدين و لا ريب ان الأنبياء و الرسل يجب الاقتداء بهم فأي مانع ان يقال ان الامام المذكور في الآية هو الرسول و النبي الذي يجب الاقتداء بهم.
قلت: قد توهم الرازي ذلك في تفسيره و اقام وجوها ضعيفة في إثباته و قد أعرضنا عن إيرادها و هذا القول واضح الفساد ضرورة ان وجوب اتباع الرسول و النبي في ما يتلقاه عن الله سبحانه من مصاديق الامتثال لأمره تعالى و بديهي أن امتثال أمره تعالى واجب باستقلال و ضرورة من العقل وجوبا ذاتيا لا يناله يد الجعل المولوي فلا يعقل ان يكون مجعولا بالتشريع و وجوب الائتمام بالرسول و النبي وجوب طريقي إلى امتثال امره تعالى و واجب بعين وجوب امتثال أمر الله فلا يصح ان يقال ان وجوب الاتباع في ما يتلقاه عن الله في المعارف و العقائد و الأحكام مجعول بالجعل المولوي فلا يجوز أن يقال أن الامام المجعول في الآية أي الجعل الرسول و النبي باعتبار وجوب طاعته تشريعا و لا يجوز الالتزام بترادف الامام مع الرسول و النبي باعتبار وجوب طاعتهما بوجوب طاعته تعالى.
فالذي ينبغي ان يقال ان الامام من يجب طاعته و الاقتداء به في الدين بالوجوب الموضوعي لا بالوجوب الطريقي فإن الوجوب الطريقي هو عين وجوب طاعته تعالى