بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٣٨ - الآية الخامسة) قال تعالى
موافقة و أشد مواطئة للقلب مع اللسان و السمع على قراء أعد و أثبت للإقدام على قراءته وطأ أقدام القلوب و طمأنينة النفوس. وَ أَقْوَمُ قِيلًا قيل أصدق قولا و أسد مقالا.
قوله تعالى وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا- و اعلم ان الله سبحانه قد سمى نفسه بأسماء و أمر الناس ان يدعوه بها قال الله تعالى وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمٰائِهِ (الأعراف ١٨) فهذه الأسماء منها ما يحكي عن نعوت ذاته مثل العلم و القدرة و الحيات و منها ما يحكي عن نعوت أفعاله الحكيمة الحميدة سواء كان من الأسماء التي يخاف مثل بأسه و انتقامه و قهره و سطواته على أعدائه أو من الأسماء التي يرجى مثل الحلم و الرحمة و الإحسان و أمثالها و القرآن الكريم قد تكفل لعدة مهمات من هذه الأسماء الكرام العظام و مرجع ذكر اسمه تعالى في قوله وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ أن دعائه تعالى و ذكره سبحانه بهذه الأسماء تسبيح و تقديس و تمجيد و تحميد و تكبير و تعظيم و ثناء للذات المقدسة للاولوهية و هو عبادة بالذات من غير احتياج الى جعل و تشريع محسنة بالضرورة و الأوامر الواردة في الكتاب و السنة بالتسبيح و التقديس و التمجيد كلها أمر إرشادي و كذلك التبتيل و الانقطاع اليه بالدعاء و التضرع و الذكر بهذه الأسماء الكريمة و غيرها تواضع و تخشع و عبادة بالذات و حسن جميل بالضرورة.
في القاموس تبتل الى الله انقطع و أخلص «انتهى» و في أقرب الموارد تبتل الى الله انقطع عن الدنيا اليه انتهى و قد وردت في تفسير التبتيل روايات يقرب مفاد بعضها من بعض منها ما قال في المجمع روى محمد بن مسلم و زرارة و حمران عن ابي جعفر و أبي عبد الله (ع) ان التبتيل هنا رفع اليدين في الصلاة و في رواية أبي بصير رفع يديك الى الله و تضرعك اليه انتهى. و لا تنافي بين روايتي المجمع و غيرها من الروايات فان جمعها مصداق للتبتيل إذا تقرر ذلك فنقول:
ان الأمر بترتيل القرآن و الحث و التشويق على ناشئة الليل و بيان شيء من فوائدها و آثارها لتشويق السامعين و الأمر و الإرشاد إلى ذكر اسم الله الكريم و الانقطاع بكنه الهمة و حقيقة الإخلاص الى الله سبحانه و الأدبار إلى الدنيا كلها فضائل و مكارم يحاول القرآن الكريم تربية الناس بهذه الفضائل و تأديبهم بهذه المكارم و قرائن و شواهد عند الفقيه ان لحن تلك الآيات الكريمة ليس لحن الإيجاب و الفرض بل سيقت في سياق الاستحباب و الرجحان و الفضل و تكون تلك الآيات قرينة واضحة ان الأمر بوله قم في صدر السورة مسوقة بهذا السياق أمر ندبي و المراد به قيام الرجل في الليل إلى الصلاة و ان قوله تعالى إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ عبارة أخرى عن مفاد الأمر و في مرحلة التعليل و بيان شيء من حكمة هذا الأمر».