بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٦٨ - الثالث نسب تعالى الجعل الى نفسه العليم الحكيم فإنه سبحانه اعلم حيث يجعل إمامته كما انه
الأعيان و التكوين مثل قوله تعالى جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً و نظائرها اي خلقها و قررها لذلك بحكمته و تدبيره و اما الجعل في غير الأعيان كما في الآية الكريمة المبحوثة عنها و أمثالها فالعناية الملحوظة متوجهة الى حيث التشريع و التعبد المولوي بحيث لو لا جعله تعالى لما تحقق بجعل جاعل غيره تعالى فان الجعل و التشريع حق طلق له سبحانه و من شئون مالكيته تعالى على الخلق و على التصرف في أمورهم و شئونهم فلا يملك الخلق و التصرف في شئونهم الا الله وحده لا شريك له فمن نصب نفسه أو غيره إماما إذ اتخذ لنفسه اماما فقد نازع سلطان الرب تعالى و هو حرام بالضرورة العقلية فعلى ما ذكرها المفسرون ان الامام هو الرسول كما قدمنا نقله عن عبده أو النبي كما صرح به الرازي في تفسيره ج ٦٠ ص ٤٤ يكون المجعول امرا تكوينيا على ما سنشير اليه و على ما ذكرنا يكون المجعول امرا مولويا في مرتبة متأخرة عن الرسالة و النبوة و من المناصب المجعولة للإنسان الرسول و النبي أو الصديق اي حق التصرف و الرتق و الفتق في أمور الناس و هذا من الأمور الوضعية.
و قد أنكر الفخر الرازي على من استدل بهذه الآية على ان الإمامة لا تثبت الا بالنص و قال ما خلاصته ان النص طريق إلى إثبات الإمامة و لا نزاع فيه و انما النزاع في انه هل تثبت الإمامة بغير النص و ليس في الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي و لا بالإثبات انتهى.
أقول هذا خروج عن البحث التفسيري و خلط بينه و بين البحث الكلامي فالآية الكريمة نص في ان الجاعل للإمامة هو الله سبحانه و ظاهره أيضا في أن حقيقة الإمامة غير النبوة و الرسالة و ان محل هذه الإمامة و مقرها هو إبراهيم الرسول و النبي و كم فرق بين مقام ثبوت الإمامة في نفس الأمر بجعله تعالى و بين مقام إثباتها بعد الفراغ عن ثبوتها بجعله تعالى و الآية الكريمة ناظرة إلى الجهة الاولى و ناصة في ان الجعل بيده تعالى و لا تحصل الإمامة إلا بجعله تعالى بتنصيصه على ذلك و لعل مراد المستدل بالآية الكريمة هو ذلك المعنى كما هو ظاهر عبارته التي أوردها الرازي في تفسيره و مراد المستدل أن الإمامة لا تحصل بالوثبة على رقاب الناس و التملك و التصرف العدواني في أمورهم و شئونهم و لا بإجماع الناس و رضاهم بذلك، و اما البحث في مقام الإثبات بعد الفراغ عن ثبوتها فالآية غير ناظرة اليه على النحو الذي ذكره الرازي بل الآية ناصة في ثبوتها في عين إثباتها و إعطائها لإبراهيم ثم لا يخفى ان قوله تعالى إِنِّي جٰاعِلُكَ ليس مواعدة بينه تعالى و بين إبراهيم ٧ انه سيجعله اماما كما زعمه الرازي بل الظاهر ان أخباره بذلك لإبراهيم عين جعله تعالى الامانة و عين عطائها إياه.