بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٨٢ - (الآية الثالثة)
بقبلة ما سواها و كان متمايلا إلى الكعبة محبا لها قلت: قد استشكل ذلك و تكلم الرازي في تفسيره و أطنب القول فيه و في معنى تقلب وجهه. و قد عرفت معنى تقلب وجهه ٦ في السماء و اما عدم رضائه ٦ بقبلة بيت المقدس فليس امرا مستنكرا حتى يستوحش منه و قد سئل رسول الله في التخفيف عن أمته في موارد شتى قال تعالى رَبَّنٰا لٰا تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا رَبَّنٰا وَ لٰا تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا رَبَّنٰا وَ لٰا تُحَمِّلْنٰا مٰا لٰا طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ. الآية البقرة و قد استجاب الله دعوته و خفف على أمته و رفع عنهم. و في بعض الروايات ان هذا كان من دعائه ليلة المعراج و أعلن استجابة دعائه بقوله ٦ رفع عن أمتي تسعة الخطأ الحديث فليس في هذا استكشاف و استعجاب بان حكما من أحكامه تعالى و قضاء من قضائه الجارية تكوينا أو تشريعا أن يسأل ولي من أوليائه سبحانه تحويله و رفعه و تبديله بحكم آخر و قضاء جديد يكون فيه فرجه و عافيته و قد ابتلى رسول الله بمردة اليهود و تعييرهم و إيذائهم و أصيب بتعرضهم إياه و للمؤمنين و قد صاروا فتنة عليهم و محنة عليه ٦.
و من العجيب ما ذكره الرازي عن بعضهم انه استأذن جبرائيل في ان يدعو الله تعالى بذلك فأخبره جبرائيل ان الله قد اذن له في هذا الدعاء لأن الأنبياء لا يسألون الله شيئا إلا بإذن منه لئلا يسألوا ما لإصلاح فيه فلا يجابوا حتى لا يقضي ذلك الى تحقير شأنهم فلما اذن الله تعالى في الدعاء علم انه يستجاب فكان تقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبرائيل (ع) بالوحي في الإجابة انتهى. و ليت شعري كيف تدل الآية على انه استأذن جبرائيل و كيف تدل على ان تقلب وجهه الى السماء كان بعد المشاورة و التباني مع جبرائيل حتى ينتظر جبرائيل. و ما الدليل على ان الأنبياء لا يدعون الا بعد اذن خاص من رد دعائهم و قد قضى الله سبحانه و حكم على جميع عباده ان يدعوه لحوائجهم و يفزعوا إليه في آمالهم و الدعاء عبادة ذاتية، و لأوليائه تعالى و أحبائه فيه قدم راسخ و مقام مكين و لكل باب مسألة الى الله منهم يد قارعة يدعون ربهم تضرعا و خيفة و رغبة و رهبة. فلا تصغ الى ما قيل أو ما يقال فقوله تعالى:
تَرْضٰاهٰا صريح انه ٦ يرضى قبلة سيجعل الله قبلة و يكره ما سواها فإنه ٦ من أفضل أوعية المشيئة لله سبحانه فلا يشاء الا ما شاء الله و لا يرضى الا ما يرضى الله فقد رضي الله بهذه القبلة و يرضاها الرسول من أجل رضائه تعالى بها.
في البرهان عن تفسير الامام (ع) قال و جعل قوم من مردة اليهود يقولون و الله ما يدري محمد ٦ كيف صلى حتى صار يتوجه الى قبلتنا و يأخذ في صلاته بهدينا و نسكنا فاشتد ذلك على رسول الله ٦ ما اتصل عنهم و كره قبلتهم و أحب الكعبة فجاءه جبرائيل فقال له رسول الله يا جبرائيل لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس إلى الكعبة فقد تأذيت بما يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم فقال جبرائيل