بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٥٣ - الآية التاسعة الاستدلال على منع المشركين من الدخول إلى المسجد الحرام و بيان معنى النجس و مفردات أخرى و بعض الأحكام
فتلخص من جميع ما ذكرناه ان ظاهر الآية الشريفة نجاسة المشركين سواء كان لفظ نجس مصدرا أو صفة و سواء كان بوزن فعل «بفتحتين» أو فعل «بكسر و سكون» كما هو المتسالم عليه عند معظم الفقهاء و اما إسراء الحكم الى غير المشركين من أصناف الكفار فخارج عن مفاد الآية الكريمة فليلتمس من أدلة أخرى.
(قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ الآية الفاء للتفريع الا انه ليس فيه دلالة على ما استظهرناه من نجاسة المشركين فان التفريع يصح على جميع الوجوه سواء قلنا بالنجاسة الشرعية أو بالكشف عن النجاسة الواقعية كما ذكره الشيخ (قده) أو قلنا بالنجاسة المعنوية اي خبث بواطنهم و سرائرهم بالكفر.
و النهي عن قرب المسجد نهي عن دخوله بطريق المبالغة و التأكيد كما في قوله لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ* و لٰا تَقْرَبُوا الزِّنىٰ و هذا النهي ليس نهيا تكليفيا كما ذهب بعض المفسرين و انما هو حكم وضعي مثل قوله (ع) لا يرث الكافر المسلم و أمثاله فلا يصح الاستدلال به على تحريم دخول الكافرين في مسجد الحرام بل يمنعون منه و يطردون عنه و المخاطب بإجراء هذا الحكم هم المؤمنون المخاطبون في صدر الآية و لا يصح أيضا الاستدلال به على ان الكفار مكلفون بالفروع كما انهم مكلفون بالأصول بل الأمر بالعكس و منعوا عن حضور الموسم قوله تعالى الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ قيل ان المراد ان المشركين منعوا عن الحج و العمرة و حضور الموسم و هو المحكي عن أبي حنيفة و قيل المراد منعهم و عزلهم عن ولاية الحج و امارة الحاج و نظارتهم في شئونهم كما كان قبل الحين.
و قيل ان المراد المنع عن دخول الحرم و الحرم كله مسجد بالنسبة الى هذا الحكم. أقول الآية الكريمة لا تدل على تحريم شيء مما ذكروه و انما تدل على المنع من دخول المسجد الحرام و اما ما سوى ذلك فقد علم بعض منها من السنة.
قال المسعودي في مروج الذهب ص ٢٩٧ و في سنة تسع حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالناس و قرأ عليهم علي ابن أبي طالب سورة براءة و أمر أن لا يحج مشرك و لا يطوف بالبيت عريان انتهى. و في المجلد السادس من البحار ص ٦٣٦ و روى عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال خطب على الناس و اخترط سيفه فقال لا يطوفن بالبيت عريان و لا يحجن البيت مشرك و من كان له مدة فهو الى مدته و من لم تكن له مدة فمدته أربعة أشهر و كان خطب يوم النحر انتهى و فيه أيضا و ذكر أبو عبد الله الجاحظ بإسناده عن زيد بن بقيع قال سألنا عليا بأي