بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٩٦ - (الآية الثالثة) قال تعالى
و خاصة ما ينافي التوحيد مثل أكل ما أهل لغير الله كما في سورة النحل و البقرة و في بعضها بعد توبيخ الذين قالوا بتحريم عدة من المباحات افتراء على الله ثم ذكر عقيبه إِنَّمٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ*. الآية. كما في سورة الأنعام و الفرق الآخر الإجمال في الآيات السابقة و البسط و التفصيل في هذه الآية على ما سيجيء و الآيات السابقة متعرضة للحرمة من غير مستقيم ضمنا بخلاف هذه الآية فإنها سيقت لإفادة الحرمة مستقيما قوله تعالى الْمَيْتَةُ قيل انها كل حيوان مباح أكله إذا مات من غير تذكية شرعية و قيل ان المراد منها كل حيوان طاهر العين مات من غير تذكية شرعية و على كل تقدير فجميع ما ذكر بعد الميتة في هذه الآية و عطف عليها من الدم و ما أهل لغير الله الى آخره من إفراد الميتة و الوجه في ذكرها و بسط الكلام فيها لدفع توهم إباحتها على ما هو المرسوم في أدوار الجاهلية و من السنن الثابتة عندهم و خاصة ما أهل لغير الله و ما ذبح على النصب.
لا يخفى انه لا بد من تقدير متعلق للتحريم ضرورة أن الأعيان مع قطع النظر عن أكلها و الانتفاع بها لا يعقل ان يكون حراما فمقتضى الإطلاق الذي لا ريب فيه عموم الانتفاعات الدائرة عند القائلين بحليتها و لا وجه لتخصيص التحريم بالأكل فإنه خلاف الظاهر و خلاف إطلاق الآية و تخصيص من غير مخصص فيندفع ما أحتمله بعض المفسرين ان المنسبق الى الذهن عند إطلاق اللفظ ما يراه من تلك الأعيان كما ينسبق الى الذهن في قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ الآية (نساء ٢٢) تحريم النكاح. وجه الاندفاع وضوح الفرق بين المقيس و المقيس عليه أولا و عموم الانتفاعات مما ينسبق الى الذهن أيضا هذا ثانيا، و ثالثا ان الانسباق المذكور انسباق بدوي غير معتد به فالمتبع هو الأخذ بالإطلاق في موارد الإطلاق و بالعموم في موارده حيثما سرى.
نعم يمكن أن يكون ذكر الدم و لحم الخنزير قرينة أن المضاف المقدر هو الأكل و لا يخفى ضعفه و على فرض عموم المضاف فمن جملة الانتفاعات المتعارفة الانتفاع بجلودها و هو محرم بحسب إطلاق الآية سواء اتخذها فرشا أو ظرفا أو لباسا أو أثاثا أو غيرها فيحرم لبسها و الانتفاع بها و الصلاة فيها و أما بطلان الصلاة فيها فيتوقف على ارتكاب كل محرم في الصلاة مبطل لها فبمعونة الروايات الواردة في جلد الميتة و اجزائها و منع الصلاة فيها و لو بشع نعل يتم القول ببطلان الصلاة فيها.
و بناء على ما ذكرنا من إطلاق التحريم فالآية الكريمة قاضية بالتحريم مطلقا سواء دبغت أو لم يدبغ و ليس في الكتاب و السنن المعتبرة ما يصلح للتقييد. قال الجصاص في أحكام القرآن فقال أبو حنيفة و أصحابه و الحسن بن صالح و سفيان الثوري و عبد الله بن الحسن الغبري و الأوزاعي و الشافعي يجوز بيعه بعد الدباغ و الانتفاع به و روي بإسناده عن النبي ٦ انه أتى في غزوة تبوك على بيت و بفنائه قربة معلقة