بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٥٨ - الآية العاشرة الاستدلال على نجاسة الخمر و بيان معنى الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و الرجس و مفردات أخرى و ذكر بعض الأحكام
التحريم إرشادية عقلية و معللة بفساده و قبحه فلا محصل لتوهم إطلاق الرجس إلى النجاسة فالكلام في الأوامر الإرشادية و الحقائق التي يعرفها الناس بإرشاد القرآن و التذكر به يدور مدار الأمر المرشد اليه طبق ما ناله العقول فلا إطلاق فيه و لا تقييد و الظاهر ان هذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم و الله الهادي.
قوله تعالى وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ الميسر فسره في القاموس بمطلق القمار و فسره بالنرد و بالأزلام أيضا و ذكر المسعودي في مروج الذهب ج ١ ص ٨٠ مبدأ حدوث النرد و الشطرنج و شرح فيه ما يتعلق بهما و انه كان دائرا في الأمم القديمة فقد ذكرنا انه لا بد من تقدير المضاف في جميع المذكورات مثلا يقدر اللعب في الميسر و العبادة في الأنصاب كي يكون مبتدأ و يكون الرجس محمولا و خبرا عنه انما الكلام ان المضاف هل هو جميع ما يتعلق بالمذكورات أو أمر خاص مثل ان يقدر اللعب في الميسر أو المعنى الأعم منه و من غيره مثل بيعه و شرائه و إجارته و صناعته و اتخاذه و أمثال ذلك.
مقتضى الإطلاق هو الثاني و دعوى الانصراف إلى الأمور المختصة بكل واحد من المذكورات غير مسموعة فإنه انصراف بدوي عوامي يزول بالتدبر و التأمل فيحرم شرب الخمر و بيعه و شرائه- إلخ- و يؤيده الإطلاق و يؤكده «و الميسر» يحرم اللعب به و صناعته و بيعه- إلخ- من الروايات الواردة في تفسير الآية ففي بعضها الميسر ما تقوم به و في بعضها ما تقوم عليه و هو الثقل و الرهن الذي بين المتقامرين و اجمع من الجميع ما عن تفسير علي بن إبراهيم عن ابي الجارود عن الباقر (ع) قال في قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ الآية و اما الميسر فالنرد و الشطرنج و كل قمار ميسر و اما الأنصاب فالأوثان التي يعبدونها المشركون و اما الأزلام فالأقداح التي كانت يستقسم بها مشركوا العرب في الأمور في الجاهلية كل هذا بيعه و شرائه و الانتفاع بشيء من هذا حرام محرم من الله و هو رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ. فقرن الله الخمر و الميسر مع الأوثان أقول: فيه تصريح بما ذكرنا من تعميم المضاف و أبو الجارود الراوي و ان كان مرميا بالضعف الا ان الشيخ (قده) أورد الحديث في متاجره في المكاسب المحرمة من دون تعرض الى ضعفه و بهذا المضمون رواية مرسلة في نور الثقلين ج ١ ص ٥ حديث ٣٤٣ فتحصل ان الميسر المحرم القرين مع عبادة الأصنام بحسب ظاهر الآية جميع أقسام القمار حتى اللعب بالجوز و جميع التقلبات المتعارفة في تلك الآلات المتخذة للقمار و اما الأنصاب فهي الأوثان المتخذة من الأحجار و غيرها التي اتخذوها آلهة تعبد من دون الله ليكون لهم شفعاء عند الله سميت بالانصاب لانتصابه للعبادة أو انتصاب الناس عندها للعبادة أو إتعاب الناس أنفسهم في عبادتها و لا كلام في حرمة العبادة إياها انما الكلام في تحريم جميع ما يتعلق بها كما هو مقتضى الإطلاق ففي بعض