بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٤٣ - الآية الثامنة الاستدلال على حرمة الجماع في الحيض دون سائر الاستمتاعات و بيان معنى الحيض و الأذى و اعتزال النساء حتى يطهرن و بيان بعض الأحكام
و قيل ان المراد من تثبيت الاقدام ان الوادي كان رملا يسيخ فيه أقدامهم فتبلل الوادي بنزول المطر و تثبت فيه أقدامهم و هذا الوجه انما يمكن بناء على ان قوله تعالى وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ مترتب و متفرع على قوله وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً و اما بناء على ما ذكرنا انه متفرع على قوله إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعٰاسَ أَمَنَةً فيكون يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ عطفا عليه فيكون ظاهر في الصبر و الثبات القلبي.
الآية الثامنة [الاستدلال على حرمة الجماع في الحيض دون سائر الاستمتاعات و بيان معنى الحيض و الأذى و اعتزال النساء حتى يطهرن و بيان بعض الأحكام]
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة ٢٢٢) قيل في وجه السؤال ان سنة اليهود في أمر النساء و الاجتناب عنهن في زمن الحيض كانت في طرف الإفراط و قد سرت هذه العادة إلى الأعراب الوثنيين المخالطين مع اليهود و كانوا يفارقونهن في المسكن و المطعم و المشرب و أمثالها و كانت النصارى على طرف التفريط و التساهل و لا يبالون بشيء أمرهن فالمحيض مصدر من حاض يحيض فقد وقع السؤال عن نفس الحيض بلحاظ نفس الحيض لا باعتبار أحكامه و قوله أَذىً جواب عن هذا السؤال فالمشهور في تفسير الأذى انه القذر و النجس و قوله يشكل حملة على الحيض بمعناه المصدري قال في آلاء الرحمن ص ١٩٨ و لا بد في قوله بل هو أذى نحو من الاستخدام فان الحيض بمعناه المصدري ليس قذرا يجتنبه الرجال و انما القذر و الذي هو الدم و يحسن هذا بشدة الملابسة و الاستغناء به عن التصريح باسم دم الحيض المتعذر انتهى.
و قيل ان أذى بمعنى الضرر و الحق ان أذى ليس بمعنى قذر و لا بمعنى الضرر و المواد المستعملة فيها أذى تشهد على خلافه قال لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلّٰا أَذىً و لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ و غيرهما من الآيات و قال في القاموس في تفسير أذى هي المكروه و في أقرب الموارد أذى يأذي و آذاه وصل اليه المكروه و ما ذكروه في معناه أنه القذر و المتقذر أو الضرر من مصاديق المعنى الذي ذكرناه ينطبق عليه أحيانا لا مطلقا.
فالمتحصل من موارد الاستعمال و من تصريح أهل اللغة انه المكروه المنافر للطبع الغير الملائم به و كيف كان فهو جواب عن السؤال و هو نفس الحيض و فيه تعرض لما كان دائرا و رائجا في الوقت من الغلو و الإفراط و الخرافات في أمر النساء و الحيض و شدة الاجتناب عنهن و أجاب و أجمل في الجواب بالأخذ بالوسط الحق بين الغالين المفرطين و بين المتساهلين الذين لا يبالون بشيء من أمرهن ثم أخذ في بيان الحكم و بيان الوظيفة العادلة في الاجتناب عنهن و عبر عن هذا الاجتناب كناية بالاعتزال و النهي و عدم القرب منهن و هو الاختلاط الجنسي على ما سيجيء بيانه فان المعلوم من سنة القرآن المبين الصفح عن التعريض بما يستقبح ذكره و من العجيب ما في