بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٥٧ - الآية العاشرة الاستدلال على نجاسة الخمر و بيان معنى الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و الرجس و مفردات أخرى و ذكر بعض الأحكام
في تفسير قوله تعالى قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ اي عذاب انتهى فالآية الكريمة بمعزل عن دلالتها على نجاسة الخمر بل هي في مقام تحريم الخمر و ما عطف عليه من الميسر و الأنصاب و الأزلام فأورد الخمر في عداد عبادة الأصنام على ما سيجيء بيانه إن شاء الله ثم أكد ذلك انها من عمل الشيطان ثم ذكرهم بوجوب الاجتناب عنها ثم ذكرهم بأن الشيطان يريد إيقاع العداوة و البغضاء بينكم في الخمر و الميسر و أكد الأمر و شدده بقوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ مطلب منهم الامتثال و الإطاعة و الانتهاء عما نهى الله سبحانه.
فقوله رِجْسٌ خبر للخمر و لجميع ما عطف عليه من الميسر و غيره و هذا قرينة أخرى على ان المراد من الرجس هي النجاسة و القذارة العقلية إذ لا معنى للنجاسة الحسية في الميسر و الأنصاب و الأزلام فإن المراد عمل الميسر فعلى هذا لا بد من تقدير المضاف اي تناول الخمر و اللعب بالميسر و عبادة الأصنام أو أكل ما ذبح على الأصنام و الاستقسام بالأزلام رجس و من عمل الشيطان فالرجس نعت لفعل المكلف لأنه صفة و نعت لأعيان اعني الخمر و ما عطف عليه بالاجتناب و الانتهاء عن ارتكاب المذكورات لا عن مماستها.
قال الشيخ الأعظم الأنصاري (قده) في كتاب الطهارة ص ٣٢٢ ربما يتمسك في نجاسة الخمر بقوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ الآية و في دلالتها نظر حيث ان الظاهر من الخمر في الآية بقرينة عطف الميسر عليها و جعلها من عمل الشيطان هو شربها فيصير الرجس شربها لا عينها فتعين حمل الرجس على الحرام انتهى فان قيل فأي مانع ان يقال ان رجاسة كل شيء بحسبه فالرجس في الخمر هي النجاسة الحسية و في غيره النجاسة المعنوية قلت قال العلامة المجلسي في البحار كتاب الطهارة ص ٢٢ لا يمكن حمل الرجس على النجس لاستلزامه استعمال الرجس في المعنيين الحقيقيين أو الحقيقي و المجازي و لا يمكن أيضا أن يجعل الرجس جزاء للخمر و تقدير خبر آخر لما عطف عليه فان المقدار لا بد أن يكون من جنس المذكور كي يدل عليه و لو اكتفيت بالمشاركة في اللفظ و قلنا بصحته لكان احتمالا مرجوحا فيسقط الاستدلال به انتهى ملخصا. فان قلت فأي مانع من الإطلاق فالرجس بإطلاقه شامل للحسي و المعنوي قلت هذا الوجه ليس به بأس الا انه متوقف على إحراز كون المتكلم في مقام البيان كي ينعقد الإطلاق كما هو المقرر في محله ففي المقام لما كان الآية في مقام بيان التحريم و ليس في مقام بيان النجاسة فبديهي عدم كونه في مقام البيان من هذا الحيث فينتفي الإطلاق بالضرورة.
تفصيل و توضيح: ما ذكرنا من بحث الإطلاق و عدمه في الرجس بالنسبة إلى نجاسة الخمر انما يجري بناء على كون التحريم تعبدية شرعية و اما بناء على كون