بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٤٨ - (الآية الرابعة) قال تعالى
له و خضع و ذل و خدمة و التزم شرائع دينه و وحده. انتهى ما أردناه.
أقول العبادة من أوضح المفاهيم و أظهر الحقائق و المعاني فتفسيرها (بما يقال في الفارسية برستش) تفسير بالاخفى و هي كما صرح به اللغويون من مصاديق التواضع و التذلل فامتثال جميع الأوامر و النواهي المولوية الشرعية عن بعث المولى و نهيه تواضع و خضوع في ساحة المولى و عبادة بالحقيقة و كذلك الإقرار بوجود صانع تعالى و انه حق لا ريب فيه و تقديسة و تنزيهه عن الشريك و الند و الضد و عن كل ما لا يليق به و الثناء عليه و تمجيده و تكريمه بما هو أهله أمر حسن جميل بالضرورة و تواضع له تعالى فمرجع أمره تعالى لموسى بن عمران (ع) بقوله فاعبدني تذكر باحترام ذاته و بالقيام بوظائف عبوديته لله سبحانه و ان يتواضع و يخضع له تعالى خضوع الفانين المخلصين فليس الأمر بالعبادة بعد التذكر بذاته تعالى و وحدانيته امرا تشريعيا تعبديا سيما مع التعبير بفاء التفريع في قوله فَاعْبُدْنِي قوله تعالى وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي عطف على الجملة السابقة فهل الأمر بإقامة الصلاة في مقام إيجاب الصلاة و تشريعها على موسى و أمته أو في مقام التذكر بوجوب طاعته ما كان مفروضا أو ما سيفرضه عليه من الصلاة، و الظاهر من كلمات المفسرين و كلمات من تعرض من الفقهاء (قدس الله أسرارهم) بالاستدلال بالآية على وجوب قضاء الفوائت على الفور و كذلك القائلين بعدم الفور و هو الاحتمال الأول على ما سيجيء تفصيله عن قريب إن شاء الله.
و الأقرب هو الاحتمال الثاني فإن الظاهر من قوله تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ هو إقامة الصلاة بحدودها و شروطها المقررة المرسومة بحسب أدلتها لا إيجاب الصلاة و وجوبها و قوله تعالى لِذِكْرِي في مرحلة التعليل بالإقامة المذكورة أي ليكون ذاكرا لي فإن الصلاة ذكرا له لأنها تسبيح و تكبير و دعاء و ذكر و تهليل- الى آخره.
و يحتمل ان يكون بحذف المفعول أي لذكري إياك قال تعالى وَ لَذِكْرُ اللّٰهِ أَكْبَرُ (العنكبوت- ٤٥).
و قد ورد في تفسيرها في رواية أبي الجارود عن الباقر (ع) قال ذكر الله لأهل الصلاة أكبر من ذكرهم إياه الا ترى انه يقول فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (البقرة- ١٥٢).
قوله تعالى (لِذِكْرِي- الآية) في مرحلة التعليل لقوله تعالى (أَقِمِ الصَّلٰاةَ) و قيل يمكن ان يكون تعليلا لكلتا الجملتين اعني (فَاعْبُدْنِي) وَ (أَقِمِ الصَّلٰاةَ) و هذا التعبير و ان كان يصلح ان يكون حكمة لتشريع الصلاة الا أن الأمر بإقامة الصلاة قرينة واضحة على انه حكمه للطاعة و للقيام بأمر الصلاة لا تشريعها و إيجابها.
و القرينة الأخرى قوله تعالى في ذيل الآية إِنَّ السّٰاعَةَ آتِيَةٌ أَكٰادُ أُخْفِيهٰا لِتُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا تَسْعىٰ. (الآية) فإن مجازات كل نفس بسعيها انما تلائم و تناسب