بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٩٤ - بحث و تحليل
قوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ. الآية الأعراف/ ٣١.
و زعم بعض الأعيان ان الإطلاق من كلا الوجهين و خلط تفسير هذه الآية بالآية التالية و هي قوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ. الآية (أعراف ٣١) الصريحة بحسب المورد و المفاد في جنس الملبوس و المأكول و المشروب و قال ان هذه الآية المبحوثة مؤكدة بهذه الآية.
و قال الجصاص ج ٣ ص ٤١ في كتاب أحكام القرآن بعد ذكر الآية التالية و فيه تأكيد لما قدم إباحته في قوله خُذُوا زِينَتَكُمْ الآية انتهى.
أقول فاللازم تفكيك تفسير الآيتين و الأخذ بصريح الآية التالية في موردها في جنس المأكول و الملبوس ما عدا موارد التقييد و الأخذ بالآية المبحوثة بمقدار شمول إطلاقها من حيث خصوصيات الأكل و الشرب و الشاهد القطعي على ما ذكرنا ذيل الآية قوله تعالى وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فإن النهي عن الإسراف لا يخلو من أن يكون باعتبار الأعيان و الطيبات فلا معنى للنهي عنها بلحاظ أنها أعيان طيبة و اما باعتبار الأعيان التي لا يوكل مثل الخبائث و أمثالها فلا معنى للنهي عنها فإنها كانت قبل الإسراف حراما فتلخص ان مفاد قوله تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا أي ما طاب و أحل لكم وَ لٰا تُسْرِفُوا فيما يصرفون من المطاعم و المشارب و قد بينوا تفصيل ذلك في الكتب الموضوعة لذلك و كذلك الكلام بعينه في قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ الآية على ما قدمنا تفسيرها.
قوله تعالى و لا تسرفوا الآية قد يتوهم في بدو النظر اختلاف معنى الإسراف بحسب الاستعمالات الواردة في الكتاب و السنة مثل قوله تعالى فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ (إسراء ٣٣) قُلْ يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ. الآية (زمر ٥٣) الإسراف في المعصية و هكذا من الموارد و بديهي ان هذا الاختلاف ناشىء من ناحية متعلق الإسراف مثل القتل و الطغيان و العصيان و غيرها من حيث المعنى الموضوع له فالإسراف على ما في القاموس ضد القصد و في كلمات بعض المفسرين التجاوز عن الحد.
إذا تقرر ذلك فنقول ان محل البحث هو الإسراف في الأكل و الشرب و التجاوز عن الحد و القصد المطلوب و لا ريب ان ظاهر إطلاق النهي يقتضي التحريم و ظاهر عبارة بعض المحققين الاستدلال على التحريم بقوله تعالى لا يحب قال أي يبغضه. و أنت ترى ما فيه من الضعف فان عدم المحبة أعم من البغض و عدمه و ليس بنص و لا ظاهر في التحريم و التعبير الأحسن عبارة البيضاوي قال اي لا يرضى فان عدم الرضا لا يخلو عن الظهور في التحريم كما في قوله تعالى لٰا يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ الْكُفْرَ الا ان تفسير عدم المحبة بعدم الرضا يطالب بالدليل لعدم ترادف بين اللفظين و خاصة في أفعاله تعالى الخارجة عن حدود التصور و التوهم.