بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٥٤ - الآية العاشرة الاستدلال على نجاسة الخمر و بيان معنى الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و الرجس و مفردات أخرى و ذكر بعض الأحكام
شيء بعثت في ذي الحجة قال بعثت بأربعة لا يدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة و لا يطوف بالبيت عريان و لا يجتمع مؤمن و كافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا و من كان بينه و بين رسول اللّه عهد فبعهده الى مدته و من لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر انتهى ما أردناه.
فالمدار هو دلالة اللفظ لا إمكان انطباق القضايا الواردة في المورد على الآية و ما ذكروه ليس الا من هذا الباب لا من باب دلالة اللفظ عليه.
قوله تعالى بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا هي السنة التاسعة من الهجرة و في الثامنة كان فتح مكة و كسر الأصنام.
(فروع)
الأول: قيل يستفاد من الآية منع دخولهم المسجد
اي مسجد كان لان وجه المنع هو نجاستهم و هو بعيد لأن الآية تدل على منع دخول المشركين المسجد الحرام و لم يعلم بعد ان تمام الملاك نجاستهم و لم يعلم أيضا انها بالنسبة الى كل مسجد و الذي أوقعهم في ذلك انهم استفادوا الحكم من أدلة أخرى من عدم جواز تمكين المشركين من دخول مساجد المسلمين فمع قطع النظر عنها فلا يمكن الاستدلال بالآية كما لا يخفى.
الثاني: استدلوا بالآية الكريمة على تحريم إدخال النجاسات في المسجد الحرام و في المساجد كلها
فان الملاك هو منعهم عن دخول المسجد الحرام لكون أعيانهم نجسة فيحرم إدخال كل نجس في المسجد الحرام و المساجد كلها و فيه ما عرفت ان التفريع في قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا ملائم مع جميع الأقوال قال قتادة في قوله تعالى فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ لأنهم جنب و قال قوم لأنهم أخباث أرجاس و قال قوم انهم أعيان نجسة.
و اما بناء على ما ذكرنا من اختيار نجاسة أعيانهم فلا يمكن التجاوز عن المسجد الحرام الى غيره من المساجد و لا عن المشركين الى غيرهم.
الثالث: استدلوا بالآية على منع دخول المشركين و أهل الكتاب بالمسجد الحرام و المساجد كلها من أجل شمول المشركين الكتابي
و فيه ان الآية لا دلالة فيها على أزيد من منع المشركين عن المسجد الحرام و لا دلالة فيها على منع الكتابي من المسجد الحرام و لا منع المشركين و الكتابي عن المساجد و مستندهم في هذا الباب اما الإجماع و اخبار لا تخلو من قصور في الدلالة أو ضعف في السند. في البحار ج (١٨) طبعة كمباني ص ١٢٧ عن نوادر الراوندي عن موسى بن جعفر عن آبائه قال رسول الله ٦ ليمنعن أحدكم مساجدكم يهودكم و نصاراكم و صبيانكم أو ليمسحن الله تعالى قردة و خنازير ركعا سجدا.
و لا دلالة فيه أزيد من الكراهة بقرينة ذيل الحديث من ذكر الصبيان و قد دخل وفد نجران على رسول الله ٦ و هو مسجده و صلوا فيه على ما حكي في التواريخ و التفاسير و نقل في التواريخ عن طرق العامة أيضا ان أبا سفيان دخل مسجد الرسول لتجديد عقد العهد فالنظر إلى دلالة الآية و اما ما سواها فلا بحث لنا في دلالته و عدمها.
الآية العاشرة [الاستدلال على نجاسة الخمر و بيان معنى الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و الرجس و مفردات أخرى و ذكر بعض الأحكام]
قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (مائدة ٩٠) إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ عَنِ الصَّلٰاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١).
ذكر بعض الباحثين ان الخمر في اللغة هو الخمر المتخذ من العنب و غيره من المسكرات ملحقة من حيث الحكم و بلحاظ الملاك و لحقها اسم الخمر بلحاظ غايته و اشتراكها معه في الفساد.
و قال قوم ان المراد من الخمر هو مطلق المسكر المائع سواء اتخذ من العنب أو غيره من الثمار و الحبوب و لكل من الطرفين أدلة و وجوه تمسكوا بها في إثبات مدعاهم و الظاهر ان هذا النزاع قليل الجدوى بعد تسالمهم و اعترافهم بأن المسكرات كلها قليلها و كثيرها حرام بالضرورة و ليس هذا نزاعا فقهيا بل هو بحث لغوي في تعيين متعلق التحريم و متعلق التحريم معلوم بالضرورة و هو مطلق المسكر سواء كان إطلاق الخمر عليها على نحو الحقيقة أو على بعضها بالحقيقة و على بعضها بالمجاز «و من القائلين بأن الخمر هو مطلق المسكر الفيروزآبادي في القاموس قال ما ملخصه أن آية التحريم نزلت بالمدينة و ليس اليوم خمرهم الا الخمر المتخذ من- البسر و التمر فأراقوا آنيتهم سميت بالخمر لأنها تخمر العقل و يستره انتهى». و قد