بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢١١ - (الآية الرابعة) قال تعالى
و العطف و الحنان بمعنى الرجوع فهي لازم يتعدى بحروف الجر فيتفاوت المعنى باختلاف الموارد فالثواب كما ذكره في القاموس و غيره من أسمائه تعالى الحسنى.
قوله تعالى فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ. الآية قد استدل بهذه الآية على وجوب القراءة في الصلاة و تقريب استدلالهم ان الأمر يدل على وجوب القراءة و لا واجب من القراءة إجماعا إلا في الصلاة فالكبرى يجب دلالة الآية و إحراز الصغرى بالإجماع. و أورد عليه بمعنى الموجوب في غير الصلاة فيجب قراءة القرآن للاستطلاع على المعجزة الباقية للرسالة الختمية و للاشراف بدلائل التوحيد و غيرها من المعارف الحقة و زاد بعضهم ما خلاصته لئلا يندرس القرآن و يترك.
أقول يحتاج تتميم هذا الاستدلال الى بيان أمور:
الأول: أن مخاطبة الرسول ٦ و من معه ليست على نحو القضية الشخصية بل يجب تحليلها و تفسيرها بما يؤل إلى قضية حقيقية كلية فإن أوامر القرآن و آياتها و أحكامها حية لا تموت و لا يختص بزمان دون زمان و لا بأقوام دون آخرين بل يجري كما يجري الليل و النهار و كما يجري الشمس و القمر.
الثاني: ان المراد من الوجوب المستفاد من الأمر ليس هو الوجوب النفسي الاستقلالي بل المراد هي الجزئية المنتزعة من مفاد الأمر فلا يتفصل بما قيل من التفصيل من وجوب القراءة للاطلاع على المعجزة و تحصيل المعارف أو استنباط الأحكام و التفقه في الدين فان هذا الوجوب لو سلم فإنما هو نفسي استقلالي كفائي على أن الأمور المذكورة ليست متوقفة على القراءة و انما تمكن منها بالنظر و التدبر و التفكر و ليس بواجب شرعي مولوي بل يمكن ان يقال انه من الواجبات العقلية و قول بعضهم لئلا يندرس و يهجر و يترك ففيه مغلطة واضحة فإنه على فرض تسليمه يكون ترك القرآن و الاعراض عن القرآن حراما و امتثال ذلك انما يكون بالقراءة فالواجب في مرحلة الامتثال حكما مولويا بالضرورة.
فإن قيل غاية ما يمكن أن يقال ان الآية ترخيص و تخفيف في صلاة الليل من الأشد الى الأسهل فتدل على جزئية القراءة في النوافل فقط فأين هذا من وجوب القراءة في الصلاة مطلقا قلت لو قلنا أن القراءة شرط و جزء في النوافل فيتم الاستدلال بعدم القول بالفرق بين الفرائض و النوافل.
الثالث: ان المراد بقوله تعالى فَاقْرَؤُا هي الصلاة عبر عن الصلاة بالقراءة لأنها من أشرف اجزائها و هذا هو الظاهر من الآية و عليه أكثر المفسرين و يشهد على ذلك و يؤيده ان الظاهر من قوله تعالى تقوم الآية هو القيام إلى الصلاة لا القيام المطلق و لا القيام الخالي عن الصلاة فعلى هذا فالترفيع بالفاء في قوله فَاقْرَؤُا هو التخفيف و التسهيل في القيام الأشق إلى الأخف من سنخه لا الى ما ينافيه و يباينه.