بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٤٨ - في بيان حقيقة التوبة و ماهيتها
الكبائر و الصغائر كما هو ظاهر غير واحد من الآيات الدالة على التكفير و أورد عليه أيضا بأن إتيان الطاعات و اجتناب الكبائر لو قلنا انها مكفرة للصغائر لكن التوبة أسبق من الكل لأنه يتحقق في الزمان المتصل بالمعصية لا يمكن فيه تحقق غيره غالبا.
و التحقيق في الجواب عن هذه المغالطة أن مرتبة تكفير المعاصي بالطاعات أو باجتناب الكبائر ليست في مرتبة وجوب التوبة فإن الكلام في وجوب التوبة من حيث الحكم التكليفي و اما ما يفعل الله بعباده بفضله و كرمه فأجنبي عن محل الكلام فوعده تعالى وعد الصدق الذي وعده لأهل طاعته أن يغفر لهم ما سلف من الله و الصغائر ليس ترخيصا في المعصية و الإهمال في التوبة و الرجوع اليه تعالى و الاعتذار اليه سبحانه من التجري به و عن هتك حريمه و هذا الوجه بمكان من السقوط فوجوب التوبة من المستقلات العقلية و جميع ما ورد في الكتاب و السنة من الأمر به و الحث عليه إرشاد به و تذكر اليه و تقريب ذلك ان الأحكام من الواجبات و المحرمات سواء كانت من المستقلات العقلية أو من التعبديات الشرعية المولوية لا بد من امتثالها و الخروج عن عهدتها بالضرورة و الإهمال في ذلك غير مسقط لوجوب الامتثال و هذا الوجوب باق بحاله كما كان و كذلك التصميم على المخالفة و العصيان في المستقبل فالتوبة واجبة بعين وجوب الامتثال بالبداهة العقلية فهي تجديد ايمان و التزام و أحكام عهد و تثبيت ميثاق كما صرح بذلك سيد العابدين (صلوات الله عليه) في دعائه في طلب التوبة قال و لك يا رب شرطي ان لا أعود في مكروهك و ضماني الا أرجع في مذمومك و عهدي أن اهجر جميع معاصيك. الدعاء (٣١).
[في بيان حقيقة التوبة و ماهيتها]
فتبين ان التكفير تكفير السيئات بالحسنات و تكفير الصغائر باجتناب الكبائر ليس في مرتبة التوبة و لا في عرضها فلا يمكن أن يكونا من إفراد الواجب التخييري و لا متزاحمين مع التوبة و ليست أدلتهما معارضة بأدلة وجوب التوبة فحيث ان الوجوب وجوب إرشادي قال الشيخ (قده) فلا يترتب عقاب على تركها غير العقاب الذي يتوجه على أصل المعصية و قال ان مرادنا بالأمر الإرشادي ليس الا ما يترتب عليه أثر إلا ما يترتب على أصل العمل فالأوامر الإرشادية يدور مدار المرشد اليه كالتعلم الواجب للاحكام و أمثاله. أقول هذا الوجه غير مرض عندنا فإن التوبة لا يقاس بالتعلم و أمثاله فالتوبة في عين انها جبران لما خالف أمر ربه تعالى التزام بالطاعة و هذا الالتزام واجب و تركه تفريط في جنب المولى جل مجده و ثانيا قد ذكرنا ان التوبة مصداق للامتثال الواجب و تغايرهما بحسب المفهوم و الاعتبار لا بحسب المصداق فالكلام في وجوب التوبة بعينه في وجوب الامتثال و اما حقيقة التوبة قيل هو الندم على ما فات و ظاهر بعض الكلمات اشتراط الاستغفار فيه، أقول الظاهر انه