بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٦٤ - الأمر الخامس - يمكن ان يستشكل في الشفاعة بوجوه
الشفاعة و المغفرة لأحد بعينه و بشخصه و لا لأقوام بصفاتهم و أعيانهم و لا في موقف خاص دون آخر بل أبهم و أجمل فيها و واضح ان ذلك ليس بمتعين بحسب الواقع و انما أبهم و أجمل لأنه متعلق و متوقف على مشيئته تعالى و اذنه و رضاه لمن يشاء من المقربين في الشفاعة و لمن يشاء من المجرمين في ان يشفع له و كذلك بحسب الموارد و المواقف و ليس ذلك الا مثل غيره من مواعيده تعالى بالمغفرة و الرحمة على نحو الإطلاق بالأسباب التي توصل بها سبحانه و جعلها طريقا الى عفوه و غفرانه أو من غير سبب ابتداء مستندا الى فضله و رحمته.
فتحصل ان المؤمن الموحد العارف بربه المعتقد للشفاعة و لغيرها من مواعيده تعالى و معلقا على مشيئته تعالى و اذنه لا يزال واقفا بين الخوف و الرجاء و بين الرغبة و الرهبة و بين الخوف و الطمع يناجي ربه و يدعوه و يسأله أن يرزقه رحمته و كرامته و يسأله أن يرزقه شفاعة نبيه و صفية فان الشفاعة و غير الشفاعة من مواعيده تعالى لأهل التوحيد في صغائر المعاصي و كبائرها معلقا على المشيئة لا يوجب إغراء على الذنوب و لا اغترار أو غفلة عن الله سبحانه بل فيه إيقاظ للغافلين و اشتعال نور الرجاء في قلوب المذنبين يتخلصوا و ينجوا من ظلمات اليأس و سوقهم الى مراتب الصلاح و السداد و له الحمد كما هو أهله.
الرابع- العبادة من الألفاظ الدائرة في الكتاب و السنة و هي بتصريح أهل اللغة عبارة عن التذلل و الخضوع، قال في مرآة الأنوار ص ٢٣٢ اعلم ان العبادة لغة الطاعة و الانقياد و الخضوع و التذلل انتهى.
أقول لا ريب الأخذ بها بما لها من المفهوم اللغوي من دون أعمال حقيقة شرعية أو متشرعية في هذا المفهوم اللغوي و هي حقيقة اضافية كانت مرسومة عند العرب المنتصرة و اليهود و الوثنيين و توضيح ذلك ان الأفعال الاختيارية العمدية قسم منها عبادة أي خضوع و تذلل بذاته مثل السجدة و التعفير إذا أتى بهما عن اختيار يفيد التعظيم للغير و خضوع الفاعل و تذلله في مقابل الغير من دون احتياج الى قصد التعظيم و من دون احتياج الى قصد الأمر فلو القي إنسان من شاهق وقع في مقابل الغير على طور السجود و التعفير لما يفيد تعظيما و لا يصدق عليه انه خضوع و تذلل من الفاعل و من هذا القبيل اي من قبيل العبادات الذاتية الثناء على الله سبحانه و تقديسة و تمجيده و الدعاء و السجود له سبحانه و الأوامر الواردة في الكتاب و السنة للتسبيحات و التمجيدات و الدعاء و السجود كلها أوامر إرشادية يكون الإتيان بها عبادة و تواضعا لله سبحانه من غير احتياج الى قصد أمرها نعم بعد تحقق العبادة