بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢١٠ - (الآية الرابعة) قال تعالى
يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ الآية المزمل (٢٠).
بيان: الآية الكريمة و سياقها في مقام التقدير و التشكر مما كان يفعله ٦ و أوليائه المؤمنون من القيام بالليل و التهجد و التعبد فيها بالعبادة و احصائهم ساعات الليل و أوقاتها بما ذكر في الآية بالثلثين و النصف و الثلث و قد روي أن بعضهم لما لم يتمكنوا من إحصاء ساعاتها يقومون الليل كله فشف ذلك عليهم فشكر الله سبحانه سعيهم و حمد موقفهم الجميل و رضي مقامهم الحميد و أمر بالتخفيف على أنفسهم و التسهيل عليها و رضي عنهم بالعمل القليل من الكثير و اعتذر سبحانه عنهم بفضله و كرمه انه سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىٰ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ ابتغاء الرزق من فضل الله وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ احياء لدينه و إعزازا لاسمه الكريم فقال جل مجده إرفاقا و ترخيصا و تخفيفا فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ. الآية.
و ضروري عند أولي الألباب ان الآية المسوقة للتشكر من فعله ٦ و فعل المؤمنين ما سيقت في مرحلة التشريع و افادة الوجوب المولوي لصلاة الليل على المسلمين بل فيها ما يدل على عدم الوجوب فان قوله تعالى وَ طٰائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ إن القائمين معه كانت عصابة خاصة من المؤمنين فيسقط ما ذكره الجصاص في كتابه أحكام القرآن ج ٣ ص ٥٧٧ ان الآية نسخ بها قيام الليل المفروض و ما ذكره الكشاف أيضا حيث قال في تفسير المقام يريد فصلوا ما تيسر عليكم و لم يتعذر من صلاة الليل و هذا ناسخ للأول ثم نسخا جميعا بالصلوات المكتوبات. انتهى.
أقول لا دلالة في صدر الآية و لا في غيرها من الآيات على وجوب صلاة الليل كي يكون منسوخا بقوله تعالى فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ قال الشيخ (قده) في التبيان ج ١ ص ١٦٩ و قد قلنا في ان الأمر في أول السورة على وجه الندب فكذلك هيهنا فلا وجه للتنافي حتى ينسخ بعضها لبعض انتهى.
قوله تعالى أَدْنىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ أي ما يقل من الثلثين و يقرب منه وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ بالنصب و رجوع الضمير الى الليل و فيه أيضا إشعار ان قيامهم كان على الندب و كذلك لو قرء بالجر اي يضيف الثلثين و ثلثه فان عدم تعيين الوقت و إرسال الحكم معلقا على أحياءهم من حيث مقادير الليل و قيامهم فيها غير ملائم للواجب و الوجوب قوله تعالى وَ اللّٰهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ الآية الظاهر ان هذه الجملة بمنزلة التعليل لقوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ فإنه سبحانه خلق الليل و النهار و قدر ساعاتهما و لحظاتهما و آناتهما فهو تعالى يعلم ما يعمل العاملون فيهما.
قوله تعالى عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ. الآية أي لا تتمكنون من إحصاء الليل من حيث مقادير أوقاتها أو لا تتمكنون من إحصاء الليل و استيعابه بالعبادة.
قوله تعالى فَتٰابَ. اي رجع عليكم بالفضل