بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٣٠ - الآية الثانية في حكم الدخول في الصلاة حالة السكر أو الجنابة؟ و هل يتوجه الخطاب إلى السكران؟ و بيان معنى السكر في الآية
في بيان القول الثاني و بطلان ما قيل في تحريمه أيضا.
ثم انهم استشكلوا في توجيه الخطاب الى السكران حيث لا يعقل فلا يعقل الخطاب و أجاب بعضهم ان المراد من السكر التمثيل و هو ما لم يبلغ الى حد يزيل العقل و أجيب تارة بأنه بسوء اختياره جعل نفسه بحيث لا يعقل الخطاب فهو مأخوذ بالخطاب فان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار و الحق في الجواب ان ما ذكره من الجوابين على فرض كون القضية شخصية و اما إذا قلنا ان القضية حقيقية مفروضة فلا يلزم الاشكال المذكور كما لا يخفى. القول الثاني ان المراد من السكر سكر النوم لا سكر الخمر توضيح ذلك ان القائل بأن المراد هو سكر الخمر أخذ بمفهومه البدوي العوامي حسب ما استأنس به الأذهان العامية و حمل اللفظ عليه اقتراحا بلا دليل و حمل النهي الوارد على النهي التحريمي و الحكم التكليفي و هذا الدعوى باطل في حد نفسه بحسب مقام الثبوت فلا يحتاج إلى إبطاله في مرحلة الإثبات و اما القائل بأنه سكر النوم و غلبة النفاس أخذ بمفهومه العام الشامل لجميع أنواع السكر و لا يدعي التبادر في سكر النوم و لا يدعي التجوز فيه بخصوصية و قيام قرينة على المجاز بل يدعى ان المنهي عنه عام مخصص و مرجع دعواه الى تخصيص العام و تقييد المطلق فالمنهي نوع خاص من العام أو المطلق بحسب الدليل الشرعي و هذه الدعوى أمر معقول في حد نفسه و بحسب مقام الثبوت فيجب الأخذ به لو قام عليه دليل في مقام الإثبات قال في أقرب الموارد سكر الإناء سكرا ملأه و النهر سد فاه- و الريح سكورا و سكرانا سكنت بعد الهبوب- و عينه تحيرت و سكنت عن النظر- و الحر و الحار فتر- سكر الباب و سكره سده- سكرت أبصارنا مجهولا الى أن قال و لهم علي سكر. اي غضب شديد الى ان قال سكر سكرانا نقيض صحى انتهى ما أردناه و صرح ببعض ما ذكره في القاموس فالقدر المسلم عن هذه المعاني إذا نسب إلى الإنسان انسداد مشاعره و عروض حالة تعترض بين الإنسان و عقله و دركه قال تعالى لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (حجر ٧٢) قال تعالى إِنَّمٰا سُكِّرَتْ أَبْصٰارُنٰا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (حجر ١٥) قال تعالى وَ جٰاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ (ق ١٩) قال تعالى وَ تَرَى النّٰاسَ سُكٰارىٰ وَ مٰا هُمْ بِسُكٰارىٰ وَ لٰكِنَّ عَذٰابَ اللّٰهِ شَدِيدٌ فارادة واحدة من هذه المعاني و ترك ما سواه يحتاج الى دليل و مخصص بخصوصها فالقرينة العامية على انه لم يرد سكر الشراب تشريفهم بخطاب يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و بعد التصريح في أية سورة البقرة بأن في الخمر اثم كبير و صرح في الأعراف و هي مكية بأن الله حرم الإثم في قوله تعالى قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ (الأعراف ٣٢) فلا يلائم و لا يناسب بأن المؤمنين يسكرون و في هذا تهجين و إزراء عليهم قال المحقق الأردبيلي (قده) و في الآية دلالة على عدم خروج المؤمن عن الايمان بشرب الخمر فتأمل فيه انتهى أقول ما ذكره (قده) في غاية الضعف سيما بناء على مفاد الأدلة القوية ان