شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٧٩ - الخطبة السابع و المائة في اقتصاص حال النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم
فريضة واجبة،و في هذا السرّ سرّان:أحدهما:أن يكون ذلك عونا لهؤلاء على عبادة اللّه كى لا يشتغلوا بالطلب عنها.الثاني:أن تنكسر همّهم عن حسد أهل الأموال و السعى بالفساد في الأرض فلا ينتظم أمر المدنيّة،و تكون قلوبهم ساكنة إلى ذلك القدر معلّقة به مستمدّة من اللّه تعالى بالدعاء في حفظه متألّفة مع أهل الأموال منجذبة إليهم فيتمّ بذلك أمر المشاركة و المعاونة و الانس و المحبّة الموجبات للالفة الموجبة لنظام العالم و قوام أمر الدين و بقاء نوع الإنسان لما لأجله وجد .
السادس:
صوم شهر رمضان .و تخصيصه بكونه جنّة من العقاب مع أنّ سائر العبادات كذلك لما أنّه أشدّها وقاية،و بيان ذلك أنّه مستلزم لقهر أعداء اللّه الّتى هى الشّياطين المطيفة بالإنسان فإنّ وسيلة الشيطان هي الشهوات و إنّما يقوّى الشهوة و يثيرها الأكل و الشرب،و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاربه بالجوع،و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم لعايشة:داومى قرع باب الجنّة فقالت:بماذا؟قال:بالجوع.فكان الصوم على الخصوص أشدّ قمعا للشيطان و أسدّ لمسالكه و تضييق مجاريه،و لمّا كان العقاب إنّما يلحق الإنسان و يتفاوت في حقّه بالشدّة و الضعف بحسب تفاوت قربه من الشيطان و بعده منه و كانت هذه العبادة أبعد بعيد عن الشيطان كان بسببها أبعد بعيد عن العقاب فلذلك خصّت بكونها وقاية منه.و اعلم أنّ هذه العبادات و إن كانت عدميّة إلاّ أنّها ليست عدما صرفا بل عدم ملكة يحرّك من الطبيعة تحريكا شديدا ينبّه صاحبه أنّه على جملة من الأمر ليس هذرا فيتذكّر سبب ما ينويه من ذلك و أنّه التقرّب إلى اللّه سبحانه كما هو غاية للسرّ العامّ للعبادات .
السابع:
حجّ البيت و اعتماره ،و قد سبقت منّا الإشارة إلى أسراره في الخطبة الاولى.و الّذي ذكره هاهنا كونهما ينفيان الفقر و يغسلان الذنب فجمع فيه بين منفعة الدنيا و منفعة الآخرة:أمّا منفعة الدنيا فكونهما ينفيان الفقر و ذلك بسبب التجارة الحاصلة في موسم الحجّ و قيام الأسواق بمكّة حينئذ،و أمّا منفعة الآخرة لكونهما يغسلان الذنب عن لوح النفس كما علمته في أسرار العبادات و هي هذه المنافع