شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٧٠ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
الدار بقيد كونها حصنا ذليلا ،و وجه الاستعارة كونه مستلزما لضدّ ما استلزم التقوى و يجب أن يخصّص التقوى هنا بفضيلة القوّة البهيميّة و هي العفّة و الزهد لمقابلة الفجور للعفّة .ثمّ نبّه على فضيلة اخرى للتقوى و هي كونها قاطعا لحمة الخطايا و لفظ الحمة مستعار لها باعتبار كونها أسبابا مستلزمة للأذى في الآخرة كما يستلزم إبرة العقرب أو سمّها للأذى ،و من روى حمّة مشددّة أراد شدّة الخطايا و بأسها لأنّ حمة الحرّ معظمته،و ظاهر كون التقوى قاطعا لبأس الخطايا و ماحيا لآثارها، و لمّا أشار إلى كون التقوى حاسما لمادّة الخطايا و كان بذلك إصلاح القوّة العمليّة أشار إلى أنّ اليقين الّذي به إصلاح القوّة النظريّة سبب لإدراك الغاية القصوى فإنّ الإنسان إذا حصل على كمال القوّة النظريّة باليقين و على كمال القوّة العمليّة بالتقوى بلغ الغاية القصوى من الكمال الإنسانىّ .ثمّ عقّب بتحذير السامعين من اللّه تعالى في أعزّ الأنفس عليهم و أحبّها إليهم،و في الكلام إشارة إلى أنّ للإنسان نفوسا متعدّدة و هى باعتبار مطمئنّة،و أمّارة بالسوء،و لوّامة.
و باعتبار عاقلة،و شهويّة،و غضبيّة.و الإشارة إلى الثلاث الأخيرة.و أعزّها النفس العاقلة.إذ هي الباقية بعد الموت،و لها الثواب و عليها العقاب،و فيها الوصيّة، و غاية هذا التحذير حفظ كلّ نفسه ممّا يوبقها في الآخرة،و ذلك بالاستقامة على سبيل اللّه،و لذلك قال : فقد أوضح لكم سبيل الحقّ و أبان طرقه،و روى و أنار طرقه :أي بالآيات و النذر .ثمّ نبّه على غايتى سبيل الحقّ و سبيل الباطل بقوله:
فشقوة لازمة أو سعادة دائمة .ثمّ عاد إلى الحثّ على اتّخاذ الزاد بعد أن ذكر التقوى تنبيها على أنّ الزاد هو التقوى كما قال تعالى «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّٰادِ التَّقْوىٰ» ١و أيّام البقاء الحال الّتي بعد الموت ،و دلالتهم على الزاد في الآية الّتي دلّهم اللّه تعالى بها عليه و أمرهم بالظعن كقوله تعالى «سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ» ٢الآية و قوله «فَفِرُّوا إِلَى اللّٰهِ» و بالجملة فكلّ أمر بالإعراض عن الدنيا و التنفير عنها فهو مستلزم للحثّ على الظعن و الأمر بالمسير عن الدنيا بالقلوب
١) ٢-١٩٣
٢) ٣-٢٧