شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٢٨ - الخطبة المائة و ستّ و ثمانون في تحميد اللّه و الثناء على نبيّه
و ركبانا متسرّعين إلى حربه.
مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب و قوله: حتّى أنزلت بساحته عداوتها.
أى حروبها و شرورها الّتي هى ثمرة العداوة،و أطلق لفظ العداوة على الحرب مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب .و من طالع كتب السير يطّلع على ما لاقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذات اللّه سبحانه من المشاقّ كاستهزاء قريش به في أوّل الدعوة،و رميهم إيّاه بالحجارة حتّى أدموا عقبيه،و صياح الصبيان به، و فرث الكرش على رأسه،و فتلهم الثوب في عنقه،و حصره هو و أهله في شعب بنى هاشم سنين عدّة محرّمة معاملتهم و مبايعتهم و مناكحتهم و كلامهم حتّى كادوا يتلفون جوعا لو لا بعض من كان يحنو عليهم لرحم أو لسبب آخر فكان يسترق لهم القليل من الدقيق أو التمر فيلقيه إليهم ليلا،ثمّ ضربهم لأصحابه و تعذيبهم بالجوع و الوثاق في الشمس و طردهم إيّاهم عن شعاب مكّة حتّى خرج بعضهم إلى الحبشة و خرج هو عليه السّلام مستجيرا منهم تارة بثقيف و تارة ببنى عامر و تارة بربيعة الفرس و بغيرهم،ثمّ أجمعوا على قتله و الفتك به ليلا حتّى هرب منهم لائذا بالأوس و الخزرج تاركا لأولاده و أهله ناجيا بحشاشة نفسه حتّى وصل إلى المدينة فناصبوا الحرب و رموه بالكتايب و ضربوا إليه آباط الإبل حتّى أكرمه اللّه تعالى و نصره و أيّد دينه و أظهر .ثمّ عقّب عليه السّلام بالوصيّة بتقوى اللّه و التحذير من المنافقين و تعديد مذاقهم ليعرفوا فيجتنبوا و يحصل النفار عنهم فإنّهم الضالّون :أى المنحرفون عن سبيل اللّه لعدم الاهتداء إليها،المضلّون لغيرهم عنها بالشبهات الباطلة.و كذلك الزالّون المزلّون . كناية و كنّى بتلوّنهم ألوانا عن تغيّراتهم في أقوالهم و أفعالهم من حال إلى حال بحسب أغراضهم الفاسدة فيلقون كلا بوجه و لسان غير الآخر.و كذلك تفتّنهم :
أى تشعّب أقوالهم و حالاتهم بحسب تشعّب أغراضهم .و أراد بعمدهم لهم قصدهم لهم بكلّ مكروه على وجه الحيلة و الخدعة،و ترصّدهم لهم بكلّ مرصاد تتّبع وجوه الحيل في هلاكهم بكلّ مكروه على وجه الحيلة.و أراد بقلوبهم دويّة و صفاحهم نقيّة اشتمال نفوسهم على الداء النفسانىّ من الحسد و الحقد و المكر و الخديعة و إعمال الحيلة مع إظهار