شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٥٦ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
لاقتناص أمر معقول و انجذبت القوى النفسانيّة أثرها انتقشت بذلك المعقول.ثمّ إنّها تستعين في ضبط ذلك الأمر بالقوّة المتخيّلة فتحاكيه بما يشبهه من الامور المحسوسة.ثمّ تحطّه إلى خزانة الخيال فيصير مشاهدا ممثّلاً.
إذا عرفت ذلك فنقول:لو كان الباري تعالى ممّا تدركه العقول و تشتبه بحدّ وصفة لكان استثباتها له على النحو المذكور فيلزم أن يكون مشبّها بغيره من الأجسام،و الجسمانيّات ليثبت صورته عند الذهن،و قد تنزّه قدس اللّه عن التشبيه بشيء منها .
السابع:و كذلك لم تقع الأوهام عليه بتقدير فيكون ممثّلا.
إذ الوهم لا يدرك إلاّ المعاني الجزئيّة المتعلّقة بالمحسوسات،و لا بدّ له في إدراك ذلك المدرك من بعث المتخيّلة على تشبيهه بمثال من الصور الجسمانيّة فلو وقع عليه و هو لمثّله في صورة حسّية حتّى أنّ الوهم إنّما يدرك نفسه في مثال من صورة و حجم و مقدار .
الثامن:خلقه[خلق خ]الخلق على غير مثال.إلى قوله:معين
،و قد سبق أيضا بيانه في الخطبة الاولى و غيرها ،و تمام خلقه بأمره بلوغه إلى غايته في الكمال الممكن له إذ[إذا خ]نطقت البراهين العقليّة أنّ كلّ ما أمكن لشيء وصل إليه من الجود الإلهي المنزّه عن البخل و المنع من جهته،و إذعانه لطاعته دخوله تحت القدرة الالهيّة،و كذلك إجابته من غير مدافعة و انقياده من غير منازعة .
ثمّ شرع في مقصود الخطبة
،و هو حمد اللّه تعالى باعتبار بعض لطائف صنعه و عجائب خلقه،و التنبيه على غوامض حكمته في خلقة هذا الحيوان المخصوص،و بدأ بالتعجّب من مخالفتها لساير الحيوان في قبض الضياء لإبصارها مع بسطها لسائر إبصار الحيوانات و إعداده لانبساط النبات و نموّه و غيره.ثمّ من بسط الظلام لإبصارها مع قبضه لساير الإبصار .ثمّ نبّه على العلّة الطبيعيّة لذلك و هو عشاء أعينها و ضعفها أن تستمدّ من نور الشمس المضيئة نورا تهتدى به،و الّذي ذكر في علّة ذلك الضعف هو إفراط التحلّل في الروح الحامل للقوّة الباصرة من هذا الحيوان إذا لقى حرّ النهار فيصيبه لذلل التحلّل ضعف يحتاج معه إلى التعوّض عمّا يتحلّل فيرجع عن