شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٦٧ - الخطبة المائة و تسعون كان يوصى بها أصحابه بالصلاة و الزكاة
قبولها بلسان حال قصورها و عدم صلاحيّتها لها،و إشفاقها من عقوبة اللّه على التقصير عن أداء حقوقها كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله: مجاز مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب أشفقن من العقوبة.
و لم يكن ذلك إباء استكبار لخضوعها تحت ذلّ الحاجة إليه،و لفظ الإشفاق مجاز في ثمرته و لازمه و ذلك أنّ السلطان مثلا إذا كلّف بعض رعيّته حمل أمانة تكليف تخيير فخاف ذلك المكلّف العقوبة على تقصيره في أداء تلك الأمانة فإنّ خوفه يستلزم تركه و امتناعه من حمله فكان الامتناع من الأمانة مسبّبا عن الإشفاق فأطلق الإشفاق هنا على إباء السماوات و الأرض بلسان حالها مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب و قيل:إنّ ذلك الإباء و الإشفاق على وجه التقدير و إنّما جيء بلفظ الواقع لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر:أى لو كانت هذه الأجرام عاقلة ثمّ عرضت عليها وظائف الدين عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها و شدّتها و لامتنعت من حملها إشفاقا من القصور عن أداء حقّها.ثمّ إنّ مخاطبة الجماد و الإخبار عنها نظرا إلى قرينة الحال طريقة مشهورة للعرب و مستحسنهم في تعارفهم كقولهم:يا دار ما صنعت بك الأيّام،و نحوه.بل مخاطبة بعض الجمادات لبعض بلسان أحوالها كقولهم:قال الحائط للوتد:لم تشقّنى؟قال:سل من يدقّنى،و نحو ذلك كثير.
فأمّا قوله عليه السّلام: و قد خاب من ليس من أهلها .فتلك الخيبة تعود إلى حرمان ثمرة هذه العبادة و ما يستلزمه من الحصول على الكمالات.إذ ليست من أهلها،و ذكر كون السماوات مبنيّة و الأرض مدحوّة و الجبال بأطوالها و عروضها و علوّها و عظمتها تنبيه للإنسان على جرأته على المعاصى و تضييع هذه الأمانة إذ اهلّ لها و حملها،و تعجّب منه في ذلك.فكأنّه يقول:إذا كانت هذه الأجرام العلويّة الّتي لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانة حين عرضت عليها فكيف حملها من هو أضعف منها.
و قوله : و لو امتنع شيء.إلى قوله:لامتنعن.
إشارة إلى أنّ امتناعهنّ لم يكن لعزّة و عظمة أجساد و لا استكبار عن الطاعة له،و أنّه لو كان كذلك لكانت أولى بالمخالفة عن كلّ شيء لأعظميّة أجرامها