شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٦٢ - الخطبة السادس و المائة في توحيد اللّه و تنزيهه و إجلاله و تعظيمه
كالمأدبة ،و يحتمل أن يريد بالدار الآخرة باعتبار كونها مجمعا و مستقرّا و المأدبة فيها الجنّة،و المنصوبات الثمانية مميّزات لتلك المأدبة،و ظاهر أنّ وجود الإسلام و الجنّة و الدعوة إليها بلاء حسن من اللّه لخلقه،و قد عرفت معنى ابتلائه تعالى، و قال بعض الشارحين:إنّ قوله:بحسن بلائك متعلّق بسبحانك أو بمعبود و هو بعيد .
الثالثة:
قوله: فلا الداعى أجابوا .إلى قوله: بواعظ .شرح لحال العصاة الّذين لم يجيبوا داعى اللّه،و بيان لعيوبهم و غرقهم في حبّ الباطل من الدنيا و فائدته:أمّا للمنتهين اللازمين لأوامر اللّه المجيبين لدعوته فتنفيرهم عن الركون إلى هؤلاء و الوقوع فيما وقعوا فيه،و أمّا لهؤلاء فتنبيههم من مراقد غفلاتهم بتذكيرهم عيوبهم لعلّهم يرجعون، استعارة و استعار لفظ الجيفة للدنيا،و وجه المشابهة أنّ لذّات الدنيا و قيناتها في نظر العقلاء و اعتبار الصالحين منفور عنها و مهروب منها و مستقذرة كالجيفة و إلى ذلك أشار الواصف لها:
و ما هي إلاّ جيفة مستحيلة عليها كلاب همهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها و إن تجتذبها نازعتك كلابها
و يمكن أخذ معنى البيت الثاني في وجه الاستعارة المذكورة ، استعارة بالكناية و كذلك استعار لفظ الافتضاح للاشتهار باقتنائها و جمعها و الخروج بها عن شعائر الصالحين،و وجه الاستعارة أنّه لمّا كان الإقبال على جمع الدنيا و الاشتغال بها عن اللّه من أعظم الكبائر و المساوى في نظر الشارع و السالكين لطريق اللّه،و كان الافتضاح عبارة عن انكشاف المساوى المتعارف قبحها لا جرم أشبه الاشتهار بجمعها و انكشاف الحرص عليها الافتضاح،و يمكن أن يصدق الافتضاح هاهنا حقيقة،و كنّى بأكلها عن جمعها ، مجاز إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه و تجوّز بلفظ الاصطلاح في التوافق على محبّتها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه فإنّ الاصطلاح عبارة عن التراضى بعد التغاضب و يلزمه الاتّفاق على الأحوال ، و قوله: من عشق شيئا أعمى بصره و أمرض قلبه .كبرى قياس دلّ على صغراه قوله:
و اصطلحوا على حبّها .لأنّ الاصطلاح على محبّة الشيء يستلزم شدّة محبّته و هو