شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٧٨ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و تسع و ثلاثين في النهى عن غيبة الناس
وجوب ذلك الاحتمال[لانتهاء-خ-]باحتمال أن يكون الذنب الّذي يعيب أخاه به مغفورا له و إن كان كبيرا،و ذلك لاحتمال أن يكون حالة لم تتمكّن من جوهر نفسه ، و نهى عن أن يأمن على نفسه صغير معصية يرتكبها لاحتمال أن يعذّب عليها لصيرورتها ملكة متمكّنة من جوهر نفسه .ثمّ عاد إلى الأمر بالكفّ عن العيب باعتبار ما يعلم الإنسان من عيب نفسه،و أن يكون الشكر للّه دأبه على السلامة من التورّط في مورد الهلكة الّذي سلكه صاحب الذنب و ابتلاه اللّه به.
و اعلم أن تعريف الغيبة يعود إلى ذكر الإنسان بما يكره نسبته إليه ممّا يعدّ نقصانا في العرف ذكرا على سبيل قصد الانتقاص و الذمّ سواء كان ذلك النقصان عدم كمال بدنىّ كالعور و العمى،أو نفسانىّ كالجهل و الشره و الظلم،أو عدم كمال من خارج كسقوط الأصل و دناءة الآباء.و احترزنا بالقيد الأخير في تعريفها و هو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حقّ الزمن و الأعمى بذكر نقصانهما.ثمّ الغيبة قد تكون باللسان و هي الحقيقيّة،و قد تكون بالإشارة و غيرها من ساير ما يعلم به انتقاص أخيك و التنبيه على عيبه،و تسمّى غيبة مجازا لقيامها مقام الغيبة.و لها أسباب غائيّة:
أحدها:شفاء الغيظ.فانّ الإنسان كثيرا ما يشفى غيظه بذكر مساوى من غاظه.
الثاني:المباهاة و التفاضل كما يقول من يتعاطى الإنشاء و الشعر:كلام فلان ركيك و شعره بارد.
الثالث:اللعب و الهزل و ترجية الوقت فيذكر غيره بما يضحك الحاضرين.
الرابع:أن يستشعر من غيره أنّه سيذمّه عند السلطان مثلا فيقصد سبقه بذكر مساويه ليسقط شهادته عنده عليه،و قد تكون لها غايات أخر.
و قد وردت الرخصة في غيبة الفاسق المتجاهر بفسقه كالخمّار و المخنّث و العشّار الّذي ربّما يفتخر بعيبه و لا يستحيى منه.قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له.لكن تركها إلى السكوت أولى.و باللّه التوفيق.