شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٩ - الخطبة المائة ألقاها تزهيدا في الدنيا و تحذيرا منها
سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ- إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ- وَ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الْآخِرَةِ كَسِلَ- كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ- وَ كَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطٌ عَنْهُ
[المعنى ]
أقول:حصر العالم فيمن عرف قدره،و أراد بقدره مقداره من ملك اللّه و محلّه من الوجود،و لمّا كان عرفانه بذلك مستلزما لمعرفته بنسبته إلى مخلوقات اللّه في العالمين و أنّه أيّ شيء هو منها،و لأىّ شيء وجد لا جرم كان هو العالم اللازم لحدّه السالك لما امر به غير المتعدّى طوره المرسوم له في كتاب ربّه و سنن أنبيائه .
و قوله: و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره.
لمّا كان العلم مستلزما لمعرفة القدر كان عدم معرفة القدر مستلزما لعدم العلم و هو الجهل لأنّ نقيض اللازم يستلزم نقيض الملزوم،و قوله: و كفى بذلك الجهل .إشارة إلى قوّته و استلزامه للعذاب .
و قوله: و إنّ من أبغض الرجال إلى اللّه.إلى قوله:قصد السبيل.
قد سبق بيانه .
كناية و قوله: سائرا بغير دليل.
كنّى بالدليل عن أئمّة الهدى و المرشدين إلى اللّه،و يدخل في ذلك الكتاب و السنّة.فإنّ من سار في معاملته للّه أو لعباده بغير دليل منهما كان من الهالكين .
استعارة و قوله: إن دعى.إلى آخره.
استعار لفظ الحرث لأعمال الدنيا و أعمال الآخرة،و وجه المشابهة كونها مستلزمة للمكاسب الاخرويّة و الدنيويّة كما أنّ الحرث كذلك ،ثمّ شبّه ما عمل له من حرث الدنيا بالواجب عليه في مبادرته إليه و مواظبته عليه ،و شبّه ما قصّر عنه من حرث الآخرة بالساقط عنه فرضه في تكاسله و قعوده عنه مع أنّ الأمر منه ينبغي أن يكون بالعكس .و باللّه التوفيق.
[القسم الثالث]
و منها :وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ- إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَ إِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ- أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَ أَعْلاَمُ السُّرَى-