شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٤٢ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
الرابع:أن يسلك الصراط المستقيم الّذي وردت به الشريعة و هو الجدد الواضح،و يتجنّب فيه العدول و الانحراف بأنّه من انحرف عنه و لو باليسير انصرع في مهراة و ضلّ في مغواة،و قد نبّهناك فيما سلف على ذلك بالمثل الّذي ضربه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال:ضرب اللّه مثلا مستقيما،و على جنبتي الصراط أبواب مفتّحة، و عليها ستور مرخاة،و على رأس الصراط داع يقول:جوزوا و لا تعرّجوا.قال:
فالصراط هو الدين،و هو الجدد الواضح هنا،و الداعى هو القرآن،و الأبواب المفتّحة محارم اللّه،و هي المهاوي و المغاوي هنا،و الستور المرخاة هي حدود اللّه و نواهيه .ثمّ نهى أن يعين الإنسان على نفسه الغواة بأحد امور:أن يتعسّف في حقّ:
أي لا يحملهم على مرّ الحقّ و صعبه فإنّ الحقّ له درجات بعضها أسهل من بعض فالاستقصاء فيه على غير أهله يوجب لهم النفرة عمّن يقوله و يأمره به،و العداوة له و القول فيه،و يحتمل أن يريد بالتعسّف في الحقّ التكلّف في العمل به مع نوع من التقصير فيه فإنّ الغواة هم تاركوا الحقّ فإذا وجدوا ركيكا فيه أو متكلّفا للعمل به مقصّرا طمعوا في الأبنة للباطل فكان قد أعانهم على نفسه بذلك ،و كذلك إذا آنسوا منه الكذب و التحريف في القول أو التخوّف من الصدق كأن ادعى لهم من الطمع في انفعاله لباطلهم و إدخاله فيه فكان معينا لهم على إغواء نفسه بذلك .ثمّ عاد إلى أمر السامع بأوامر:
أحدها:الإفاقة من سكرة الجهل و التيقّظ من الغفلة في الدنيا، استعارة و لفظ السكرة مستعار،و وجه المشابهة كون الغفلة مستلزمة لترك إعمال العقل كما أنّ السكر كذلك .
الثاني:بالاختصار من العجلة،و أراد بالعجلة سرعة الحركة في طلب الدنيا و الاهتمام بها،و باختصارها تخفيف تلك الحركة و تقليلها .
الثالث:بانعام الفكر فيما دار على لسان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كثر من ذكر الموت و عرض النفوس على ديّانها،و إنعام الفكر في ذلك تدقيق النظر في حال الموت و ما بعده،و الاعتبار بما لا بدّ منه و لا محيص عنه من ذلك .