شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٧٤ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و اثنتين و تسعين في التنبيه على علّة قلّة أهل الهدى
لم يباشرها أكثرهم و سخطهم لمحابّه من الأعمال،و مصداق ذلك قصّة ثمود في عموم العذاب لهم بفعل عاقر الناقة فإنّهم بأسرهم ما فعلوا ذلك مع نسبة الفعل إلى جميعهم كما قال تعالى «فَعَقَرُوهٰا» الآية و عمّتهم العقوبة لمّا عمّوه بالرضى،و الضمير في عمّوه يعود إلى الرجل أو إلى العقر الّذي دلّ عليه قوله: عقر :أى لمّا عمّوا فعله برضاهم به،و إليه الإشارة بقوله تعالى «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لاٰ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً» ١و ظاهر أنّ الراضى بفعل شريك فاعله و في قوّته،و كذلك إنّما يجمع اللّه الناس في رحمته باجتماعهم على الرضا بمحابّه و السخط لمكارهه.
تشبيه فقوله: فما كان إلاّ أن خارت أرضهم.إلى قوله:الخوّارة.
تفسير للعذاب اللاحق لهم المشار إليه بقوله: «فَأَصْبَحُوا نٰادِمِينَ» فأخذهم العذاب، و قد فسّره القرآن الكريم أيضا في قوله «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ» ٢فبيّن عليه السّلام كيفيّة ذلك و شبّه صوت أرضهم في خسوفها و ذهابها في الأرض بصوت السكّة المحماة في الأرض عند الحرث بها،و إنّما زادها صفة المحماة تنبيها على قوّة تصويتها و سرعة غوصها لأنّ المحماة يكون لها في الأرض نشيش زائد على ما يقتضيه حركتها و يعينها الحمى على النفوذ .فأمّا قصّة ثمود فالمنقول أنّهم خلف عاد في الأرض بعد هلاكهم عنها فكثروا و عمّروا أعمارا طويلة حتّى كان الرجل يبنى المسكن المحكم فينهدم في حياته فنحتّوا البيوت في الجبال و كانوا في سعة و رخاء من العيش فعتوا عن أمر اللّه و أفسدوا في الأرض و عبدوا الأوثان.فبعث اللّه إليهم صالحا و كانوا قوما عربا و صالح من أوسطهم نسبا فدعاهم إلى اللّه فلم يتّبعه إلاّ قليل منهم مستضعفون فحذّرهم و أنذرهم فسألوه آية فقال:أيّة آية تريدون؟.فقالوا:تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم من السنة تدعو إلهك و ندعو آلهتنا فإن استجيب لك اتّبعناك و إن استجيب لنا اتّبعتنا.فقال:نعم.فخرج معهم و دعوا أربابهم و سألوها فلم تجب.
فقال كبيرهم و أشار إلى صخرة مفردة في ناحية الجبل يسمّونها الكاثبة:أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة جوفاء و براء فإن فعلت صدّقناك و أجبناك.فأخذ عليهم
١) ٨-٢٥
٢) ٢٩-٣٦.