شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٦٩ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
و قوما للضعة و قوما للرفعة،و قوما للوجود و آخرين للعدم كذلك هو آخرا.
و قوله : متظاهرة أعلامه.
أى دلالاته على شيمته و طبيعته و أفعاله الّتي يعامل الناس بها قديما و حديثا متعاضدة يتبع بعضها بعضا،و نسبة هذه الامور إلى الدهر جريا على ما في أوهام العرب و إن كان الفاعل هو اللّه تعالى و إنّما للدهر الإعداد كما سبق .ثمّ نبّه على قرب الساعة استعارة و شبّه حدوها :أى سوقها لهم بسوق الزاجر للنوق في حثّه لها، و قد عرفت كيفيّة ذلك السوق و وجه الاستعارة فيه و في قوله: و إنّ الساعة من ورائكم تحدوكم ،فأمّا وجه الشبه فهو السرعة و الحثّ ،و إنّما خصّ الشول من النوق لخلوّها من العثار فيكون سوقها بعنف و أسرع،و لمّا نبّههم على قربها و إنّها تحدوهم نبّههم على وجوب اشتغال كلّ بنفسه.إذ كلّ مشغل نفسه بغير نفسه غير محصّل لنور يهتدي به في ظلمات طريق الآخرة بل إنّما يحصل على أغطية و أغشية من الهيئات البدنيّة اكتسبها عمّا اشتغل به من متاع الدنيا و العمل بها،و علمت أنّ تلك الأغطية مغشيّة لنور البصيرة فلا جرم يتحيّر في تلك الظلمات و يرتبك في مهالك تلك الطريق و مغاويها،و تمدّ به شياطينه و نفسه الأمّارة في طغيانه،و تزيّن له سيّء أعماله .ثمّ ذكر غاية وجود الإنسان فخصّ الجنّة بالسابقين، و النّار بالمفرّطين،و قد كان ذكر الجنّة كافيا في الجذب إليها،و النار كافيا في الجذب عنها فقرن ذكر الجنّة بذكر فضيلة السبق،و ذكر النار برذيلة التفريط ليقوى الباعث على طلب أشرف الغايتين و الهرب من أخسّهما،و أيضا فلأنّ السبق و التفريط علّتان للوصول إلى غايتيهما المذكورتين فهدى إلى طلب إحداهما،و الهرب من الاخرى بذكر سببها. استعارة ثمّ عاد إلى التنبيه على فضيلة التقوى،و استعار له لفظ الدار الحصينة الّتي تعزّ من تحصّن بها ،و وجه الاستعارة كونها تحصن النفس أمّا في الدنيا فمن الرذائل الموبقة المنقّصة الموجبة لكثير من الهلكات الدنيويّة،و أمّا في الآخرة فمن ثمرات الرذائل ملكات السوء المستلزمة للعذاب الأليم .ثمّ على رذيلة الفجور،و هو طرف الإفراط من فضيلة العفّة،و استعار لفظ