شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٨٧ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
جوعه هو و خاصّة من أهل بيته مع عظيم زلفته و رفعة منزلته عند اللّه و إزوائها عنه، و لمّا ذكر تلك المقدّمة شرع في الاستدلال بقوله : فلينظر ناظر.إلى قوله:أقرب الناس إليه و هو بقياس شرطىّ متّصل مقدّمه حمليّة و تاليه قضيّه شرطيّة منفصلة و تلخيصه:إذا كان محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاع في الدنيا مع خاصّته و زوى اللّه عنه زخارفها مع عظيم زلفته عنده فلا يخلو فعله بذلك إمّا أن يكون إكراما له أو إهانة و القسم الثاني ظاهر البطلان إذ ثبت أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخصّ خواصّ اللّه،و إذا كان أحقر ملك في الدنيا لا يقصد بأحد من خاصّته إذا كان مطيعا له الإهانة فكيف يصدر ذلك من جبّار الجبابرة و مالك الدنيا و الآخرة حكيم الحكماء و رحيم الرحماء في حقّ أحقّ خواصّه و أشدّهم طاعة له،و لأجل وضوح ذلك اقتصر على تكذيب من قال به و أكّده بالقسم البارّ ،و أمّا القسم الأوّل و هو أنّه أكرمه بذلك فمن المعلوم أنّ الشيء إذا كان عدمه إكراما و كمالا كان وجوده نقصا و إهانة فكان وجود الدنيا في حقّ غيره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إزوائها عنه مع قرب منزلته إهانة لذلك الغير و ذلك يستلزم حقارتها و يبعث العاقل على النفار عنها .ثمّ عاد إلى الأمر بالتأسّي به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ترك الدنيا تأكيدا لما سبق بعد بيان وجوه التأسى و هو أمر في صورة الخبر مع زيادة تنبيه على أنّ الميل إليها يحلّ الهلكة فمن لم يتأسّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أحواله في الدنيا و خالفه في الميل إلى شيء منها لم يأمن الهلكة.إذ قد عرفت أن حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة و هي الجاذبة عن درجات دار النعيم إلى دركات دار الجحيم.
و قوله : فإنّ اللّه جعل محمّداً إلى قوله:داعى ربّه.
صورة احتجاج على قوله:و إلاّ فلا يأمن الهلكة.و تقريره أنّ اللّه تعالى جعله علما للساعة و أمارة على قربها و مبشّرا بالجنّة و منذرا بالعقوبة و اطّلعه على أحوال الآخرة ثمّ خرج من الدنيا بهذه الأحوال المعدودة المستلزمة للنفار عنها و الغض لها و الحذر منها فلو لم يكن الركون إليها و ارتكاب أضداد هذه الأحوال منها مظنّة الهلكة لما نفر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنها و يركن إليها لكنّه نفر عنها فكانت مظنّة الهلكة فوجب التأسّي به في نفاره عنها و إلاّ لم يأمن غير المتأسّى به الهلكة فيها.