شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٥٠ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
موضعه،و إنّما ذكر هذه الفضائل لنفسه و أهل بيته جذبا إلى سماع قوله و دعوته إلى اللّه و لذلك عقّب بالمثل فليصدق رائد أهله ،و أشار به إلى من يحضرنا طلبا لاختيارنا فليصدق من يعينه أمره إنّنا أهل الحقّ و ينابيع العلوم و الحكمة و الأدلاّء إلى اللّه كما يصدق الرائد لطلب الكلاء و الماء أهله مبشّرا بهما، و ليحضر عقله لما يقوله ليعرف صحّة ما ادّعيناه.ثمّ شرع فيما ينبغي أن يقوله أمثاله،و هو التنبيه على أحوال الآخرة،و أن يكون العاقل من أبنائها،و وجه استعارة النبوّة هاهنا.
قوله : فإنّه منها قدم و إليها ينقلب.
أى كما أنّ الابن ينقلب عن الامّ و إليها و له و رجوعه كذلك الإنسان مبدؤه الحضرة الإلهيّة فعنها ينقلب و إليها يعود فينبغي أن يكون من أبنائها بالرغبة فيها و الوله إليها و العمل لها .ثمّ نبّه العاقل ذا الفكر السليم الناظر بعين بصيرته على ما ينبغي له أن يبدأ به في حركاته و سكناته و هو أن يتفقّد أحوال نفسه فيما يهمّ به و ينبعث في طلبه أو تركه،و يعلم أذلك الخاطر أو تلك الحركة مقرّبة له من اللّه تعالى فيكون له فينبغي أن يمضى فيها أو مبعّده له عن رضاه و مستلزمة لسخطه فيكون عليه فيقف عنها. تشبيه ثمّ شبّه الجاهل في حركاته و سكناته بالسائر على غير طريق و أشار إلى وجه التشبيه بقوله : فلا يزيده بعده عن الطريق إلاّ بعدا عن حاجته .إذ كان بعده عن مطلوبه بقدر بعده عن طريق ذلك المطلوب،و بضدّه العامل بالعلم في سلوكه و قربه من مطلوبه،و نفر بذلك التشبيه عن الجهل و زاد في التنفير بقوله : فلينظر ناظر أساير هوأم راجع فإنّه إذا علم أنّه سائر وجب أن يعلم كيف يسير و يشعل مصباح العلم ليسلم من الضلال و الصرعة في مهاوي الهلاك.
و قوله : و اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطنا.إلى قوله:و يبغض بدنه.
فاعلم أنّ هذه القضيّة الكلّيّة صادقة و ذلك أنّه لمّا صدر عن الجود الإلهيّ عالما الغيب و الشهادة و إن شئت عالم الخلق و الأمر و إن شئت العالم الروحانيّ و الجسمانيّ اقتضت الحكمة الإلهيّة كون عالم الشهادة طريقا للنفوس البشريّة إلى عالم الغيب و لولاها لتعذّر السفر إلى الحضرة الإلهيّة و انسدّ طريق الترقّي إلى