شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٨١ - مكاره الدنيا و فضائل الآخرة
و مدح له بالكرم و البذل كان ممّا يتميّز به وضعه في غير أهله عن وضعه في أهله أنّ الأوّل إنّما يحصل به لواضعه الحمد من لئام الناس:أى ساقطى الاصول و السفهاء و الأشرار و الجهّال لعدم معرفتهم بوضع الأشياء في مواضعها الّتي هي مقتضى العقل الّذي به نظام امور الدنيا و قوام نوع الإنسان في الوجود مع أنّه في الحقيقة و عند اولى الألباب العارفين بمواقع المعروف بخيل في جنب اللّه تعالى،و أمّا الثاني:فتحصل له المحمدة من الكلّ.في الدنيا محمدة مطابقة للحقّ مع الثواب الجزيل في الاخرى فلا جرم أشار إلى الأوّل بقوله: فليس لواضع المعروف.إلى قوله:و هو عن ذات اللّه بخيل .
و قوله : ما أجو ديده.
متعلّق بمقالة:أى ذلك هو الأمر الّذي يقولونه ما دام منعما عليهم،و إنّما قيّد بهذا القيد لأنّ الجاهل قد يعتقد أنّ ما يسدى إليه حقّ له فربّما دام حمده بدوام ذلك الإنعام لكن ينقطع بانقطاعه،و أمّا الجاهل الشرير فكثيرا ما يعتقد أنّه إنّما يسدى إليه لشرّه و خوف أذاه فربّما يشكر المنعم ما دام منعما حتّى إذا انقطع إنعامه جعل شرّه عوض شكره استجلابا لذلك الإنعام المنقطع و استعادة له،و أمّا الثاني :فنبّه أوّلا على مواضع المعروف و أمر بوضعه فيها،و ذكر منها خمسة:
الأوّل :صلة الرحم.
الثاني :حسن الضيافة.
الثالث :فكّ الأسير و العانى.و إنّما اختلف اللفظ.
و الرابع :إعطاء الفقير و الغارم و هو من عليه دين.
الخامس :الحقوق الواجبة على أهلها كالزكاة،و المستحبّة كالصدقات.
و أشار بالنوائب إلى ما يلحق الإنسان من المصادرات و الغرامات الّتي يفكّ بها الإنسان من أيدى الظالمين و ألسنتهم،و الإنفاق في ذلك من الحقوق الواجبة على الإنسان.
و الفضايل الخمس داخلة تحت فضيلة الكرم،و الإشارة إلى ذلك بقوله: فمن آتاه اللّه.
إلى قوله:ابتغاء الثواب .و نبّه بهذه الغاية أعنى المفعول له على أنّ الإنفاق في هذه الوجوه إنّما يكون وضعا للمعروف في موضعه إذا قصد به وجه اللّه تعالى فأمّا إذا