شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٥٩ - الخطبة المائة و خمسون في التحذير عمّا يقع من بعده من بوائق النقمة بأيدى الظلمة
مقامها،و من المعلوم المعتاد ما يقع بين المرأة و ابنة زوجها من غيرها من الكدر، و كان سبب البغض من المرأة لبنت الزوج حركة المتخيّلة بإقامة البنت مقام الامّ الّتي هي ضرّة لها و تشبيهها بها فتقيمها مقام الضرّة،و تتوهّم فيها العداوة و البغضاء ثمّ ينشأ ذلك الخيال و يقوى بأسباب اخرى فيتأكّد البغض خصوصا إن كان الزوج أكرم لبنته كما هو المنقول من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حقّ فاطمة عليها السّلام،و أمّا من جهة البنت فلتخيّلها أنّها ضرّة امّها و توهّمها بسبب ذلك بغضها لها،و الباغض للامّ باغض للبنت لا محالة،و يتأكّد ذلك بالميل المنقول عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حقّ عايشة و إيثارها على سائر نسائه،و النفوس البشريّة خصوصا نفوس النساء تغيظ على ما دون ذلك فكيف بذلك منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و لا شكّ في تعدّى ذلك إلى نفس بعلها عليه السّلام فإنّ النساء كثيرا ما يحصل بسببهنّ الأحقاد في قلوب الرجال،و عن بعض الحكماء:
إذا رأيت في الدنيا خصومة ليست بسبب امرأة فاحمد اللّه تعالى فإنّها أمر عجيب، و كثيراً ما كانت فاطمة عليها السّلام تشكو إلى بعلها من عايشة.و منها ما كان من أمر قذف عايشة،و نقل إنّ عليّا عليه السّلام كان من المشيرين بطلاقها تنزيها لعرض الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أقوال المنافقين،و قال له لمّا استشاره:إن هي إلاّ شسع نعلك،و قال:
اسأل الخادمة و خوّفها فإن أقامت على الجحود فاضربها.و بلغها كلّ ذلك الكلام و سمعت أضعافه من الغير ممّا جرت عادة الناس أن يتداولنه في مثل هذه الواقعة، و نقل إليها النساء:إنّ عليّا عليه السّلام و فاطمة سرّا بذلك.فتفاقم الأمر و غلظ.ثمّ لمّا نزلت براءتها و صالحها الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ظهر منها ما جرت العادة بظهوره ممّن انتصر بعد ظلمه و ينتصر بعد غلبه من بسط اللسان و التبجّح بالبراءة من العيب،و فلتات القول في أثناء ذلك.و بلغ ذلك عليّا و فاطمة عليهما السّلام،و منها كون النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سدّ باب أبى بكر من المسجد و فتح باب صهره،و منها بعثه إيّاها بسورة براءة، ثمّ أخذها منه و دفعها إلى عليّ عليه السّلام.إلى غير ذلك من الأسباب الجزئيّة الّتي تشهد بها قرائن الأحوال و لا تكاد تتبيّن بالأقوال.فإنّ كلّ ذلك ممّا يثير الأحقاد و يؤكّد الأضغان.