شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٨٩ - الخطبة المائة و ثلاث و أربعون في المنافرة مع من ينازعه في الفضل
[القسم الثاني] منها:
آثَرُوا عَاجِلاً وَ أَخَّرُوا آجِلاً- وَ تَرَكُوا صَافِياً وَ شَرِبُوا آجِناً- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ- وَ بَسِئَ بِهِ وَ وَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ- وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلاَئِقُهُ- ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لاَ يُبَالِي مَا غَرَّقَ- أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لاَ يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ- أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى- وَ الْأَبْصَارُ اللاَّمِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى- أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ وَ عُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وَ تَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ- وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ- فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ- وَ أَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ- وَ دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَ وَلَّوْا- وَ دَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَ أَقْبَلُوا
[اللغة]
أقول: بسىء به: آلفه و استانس به .
[المعنى ]
و اعلم أنّ ضمير الجمع في آثروا و أخّروا و ما بعدهما ضمائر مهملة يصدق إطلاقها على الجماعة و إن كان المعنىّ بها بعضهم،و هذا الكلام يصدق على من تخلّف من الناس إلى زمانه ممّن هو غير مرضىّ الطريقة و إن كان معدودا من الصحابة بالظاهر كالمغيرة بن شعبة و عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و معاوية و نحوهم من امراء بنى اميّة ممّن آثر عاجل الدنيا و ثاور إليه و أخّر آجل ثواب الاخرى فنبذه وراء ظهره و ترك ما وعد به من تلك اللذّات الصافية عن كدورات الدنيا و العلايق البدنيّة إلى اللذّات الوهميّة الآجنة بشوب الأعراض و الأمراض و التغيّر و الزوال، استعارة مرشحة و استعار لفظ الآجن للذّات الدنيا ملاحظة لتشبيهها بالماء الّذى لا يسوغ شربه لتغيّر طعمه، و رشّح بذكر الشوب.
كناية و قوله : كأنّى أنظر إلى فاسقهم.
يحتمل أن يريد فاسقا معيّنا كعبد الملك بن مروان و يكون الضمير عائدا