شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٩ - الخطبة السادس و المائة في توحيد اللّه و تنزيهه و إجلاله و تعظيمه
على أوساط الناس و كانت الأوساط أكّالا لهم،و كانت الفقراء أمواتا لانقطاع مادّة حياتهم ممّن هو أعلى منهم رتبة، مجاز إطلاقا لاسم السبب على المسبّب و تجوّز بلفظ الأموات عن غاية الشدّة و البلاء لكون الموت غاية ذلك إطلاقا لاسم السبب الغائيّ على مسبّبه . استعارة ثمّ استعار لفظ الغيض لقلّة الصدق و الفيض لظهور الكذب و كثرته ملاحظة لشبهها بالماء،و استعمال المودّة باللسان إشارة إلى النفاق و هو التودّد بالقول مع التباعد بالقلوب و عقدها على البغض و الحسد،و استعار لفظ التشاجر بالقلوب ملاحظة لشبهها بالرماح فكما أنّ الرمح يشجر به فكذلك قلوب بعضهم تعقد على هلاك بعض و الطعن فيه بأنواع المهلكات ،و كذلك لفظ النسب للفسوق،و وجه المشابهة كون الفسق بينهم يومئذ هو سبب التواصل و التزاور و التحابّ كما أنّ النسب كذلك ،و صار العفاف عجبا لقلّة وجوده و ندرته بينهم، تشبيه و لبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا من أحسن التشبيه و أبلغه و المشبّه به هاهنا هو لبس الفرو و وجه الشبه كونه مقلوبا،و بيانه أنّه لمّا كان الغرض من الإسلام أن يكون باطنا ينتفع به القلب و يظهر فيه منفعته فقلّب المنافقون غرضه و استعملوه بظاهر ألسنتهم دون قلوبهم أشبه قلبهم له لبس الفرو.
إذ كان أصله أن يكون حمله ظاهرا لمنفعة الحيوان الّذي هو لباسه فاستعمله الناس مقلوبا .و باللّه التوفيق.
١٠٦-و من خطبة له عليه السّلام
[الفصل الأول]
:كُلُّ شَيْءٍ خَاشِعٌ لَهُ- وَ كُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ- غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ- وَ عِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ- وَ قُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ- وَ مَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ- مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ- وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ- وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ- وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ- لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ- بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ- لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ- وَ لاَ