شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٩ - الخطبة المائة و أربع و ستّون يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس
و الأصباغ فمنها مغموس في قالب لون واحد قد طوّق بخلاف ما صبغ به كالفواخت ، و شرع في التنبيه بحال الطاوس على لطف الصنع لاشتماله على جميع الألوان،و كفى بوصفه عليه السّلام شارحا فإنّه لا أبلغ منه و لا أجمع لتفاصيل الحكمة الموجودة في هذا الموصوف غير أنّه قد يحتاج بعض ألفاظه عليه السّلام إلى بيان .فأراد بقصبه قصب ريش ذنبه و جناحيه و إشراجها ضبط اصولها بالأعصاب و العظام و شرج بعضها لبعض ،و وصفه عليه السّلام لهيئة درجه إلى الانثى حال إرادة السفاد وصف من شاهد و استثبت الهيئة تشبيه و أحسن بتشبيهه لذنبه عند إرادة السفاد بالقلع الدارىّ فإنّه في تلك الحالة يبسط ريشه و ينشره.ثمّ يرفعه و ينصبه فيصير كهيئة الشراع المرفوع،و وجه التشبيه زيادة على ذلك أشار إليها بقوله: عنجه نوتيّه ،و ذلك أنّ الملاّحين يصرفون الشراع تارة بالجذب،و تارة بالإرخاء،و تارة بتحويله يمينا و شمالا و ذلك بحسب انصرافهم من بعض الجهات إلى بعض فأشبههم هذا الطائر عند حركته لإرادة السفاد و زيفانه في تصريف ذنبه و تحويله،و له في ذلك هيئة لا يستثبت وجه الشبه فيها كما هو إلاّ من شاهدها مع مشاهدة المشبّه به،و لذلك قال:
احيلك من ذلك على معاينة لا كمن يحيلك على ضعيف إسناده .و إنّما خصّ دارين بالذكر لأنّها كانت المرسى القديم في زمانه عليه السّلام حيث كانت معمورة .
و قوله: و لو كان كزعم من يزعم.إلى قوله:المنبجس.
أى لو كان حاله في النكاح كزعم من يزعم،و هو إشارة إلى زعم قوم أنّ الذكر تدمع عينه فتقف الدمعة بين أجفانه فتأتى الانثى فتطعمها فتلقح من تلك الدمعة،و روي تنجشها مدامعه:أى تغصّ بها و تحار فيها،و هو عليه السّلام لم يحل ذلك ،و إنّما قال: ليس ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب ،و العرب تزعم أنّ الغراب لا يسفد.و من أمثالهم أخفى من سفاد الغراب،و يزعمون أنّ اللقاح من مطاعمة الذكر و الانثى و إيصال جزء من الماء الّذي فيه في قانصته إليها و هي أن يضع كلّ منهما منقاره في منقار صاحبه و يتزاقّا و ذلك مقدّمة للسفاد في كثير من الطير كالحمام و غيره،و هذا و إن كان ممكنا في بعض الطير كالطاووس و الغراب!