شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٧ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و خمس و ستّين قد أمر صغيرهم بالتأسّى بكبيرهم إلخ
أعمّ منها كساير الأسباب للغلبة من إعانة بعضهم لبعض بالأنفس و الأموال و غير ذلك، استعارة و استعار لخروجهم لفظ السيل ، تشبيه و شبّهه بسيل جنّتى مأرب و هما جنّتا سبأ المحكىّ عنها في القرآن الكريم «فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ» ١الآية ،و وجه الشبه الشدّة في الخروج و إفساد ما يأتون إليه كقوّة ذلك السيل حيث لم يسلم عليه مرتفع من الأرض ،و لم يردّ طريقه و جريه جبل مرصوص:أى شديد الالتصاق.ثمّ قال : يذعذعهم اللّه في بطون أوديته ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض ، و هو من ألفاظ القرآن،و المراد كما أنّ اللّه ينزّل من السماء ماء فيكنّه في أعماق الأرض ثمّ يظهر منها ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء القوم يفرّقهم اللّه في بطون الأودية و غوامض الأرض ثمّ يظهرهم بعد الاختفاء فيأخذ بهم من قوم حقوق آخرين،و يمكّن قوما من ملك قوم و ديارهم. تشبيه ثمّ أقسم ليذوبنّ ما في أيدى بني اميّة بعد علوّهم و تمكّنهم كما تذوب الألية على النار ،و وجه الشبه الفناء و الاضمحلال .و مصداق هذه الأخبار ما كان من أمر الشيعة الهاشميّة و اجتماعها على إزالة ملك بني اميّة من كان منهم ثابتا على ولاء عليّ و أهل بيته و من حاد منهم عن ذلك في أواخر أيّام مروان الحمار عند ظهور الدعوة الهاشميّة .ثمّ عاد إلى توبيخ السامعين بالإشارة إلى سبب الطمع فيهم ممّن دونهم في القوّة و المنزلة و قوّته عليهم،و الإشارة إلى معاوية و أصحابه،و ذلك السبب هو تخاذلهم عن نصرة الحقّ و تضاعفهم عن إضعاف الباطل،و هو في معرض التوبيخ و اللائمة لهم. تشبيه ثمّ شبّه تيههم بمتاه بني إسرائيل ،و وجه الشبه لحوق الضعف و المذلّة و المسكنة لهم حيث لم يجتمعوا على العمل بأوامر اللّه فرماهم بالتيه و ضرب عليهم الذلّة و المسكنة .
ثمّ أخبرهم بعاقبة أمرهم في التخاذل،و هو إضعاف التيه و التفرّق بعده لالتفاتهم عن الحقّ و مقاطعة بعضهم له مع دنوّه و قربه من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و وصلهم لمعاوية و غيره مع بعده عنه .ثمّ أخذ في إرشادهم و جذبهم إلى اتّباعه.فقال: إنّ اتّبعتم الداعى -و عنى نفسه- سلك بكم منهاج الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و طريقه، و كفيتم مئونة
١) ٣٤-١٥