شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤٧١ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و إحدى و تسعين في سبب تركه الدهاء
و نسبة معاوية إلى استخراج وجوه المصالح و الآراء الصحيحة في الحرب و غيرها.
و اعلم أنّ الجواب عن هذا الخيال يستدعى فهم حاله عليه السّلام و حال معاوية و غيره ممّن ينسب إلى جودة الرأى،و بيان التفاوت بينهم و بينه و ذلك راجع إلى حرف واحد و هو أنّه عليه السّلام كان ملازما في جميع حركاته قوانين الشريعة مدفوعا إلى اتّباعها و رفض ما العادة أن يستعمل في الحروب.فالتدابير من الدهاء و الخبث و المكر و الحيلة و الاجتهادات في النصوص و تخصيص عموماتها بالآراء و غير ذلك ممّا لم ترخص فيه الشريعة،و كان غيره يعتمد جميع ذلك سواء وافق الشريعة أو لم يوافق فكانت وجوه الحيل و التدبير عليهم أوسع،و كان مجالها عليه أضيق.و نقل عن أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في هذا المعنى كلام طويل خلاصته أن قال:إنّى ربّما رأيت بعض من يظنّ بنفسه العقل و العلم و أنّه من الخاصّة و هو من العامّة،و يزعم أنّ معاوية كان أبعد غورا و أصحّ فكرا و أجود مسلكا من علىّ و ليس الأمر كذلك و ساؤمى إلى موضع غلطه،و ذلك أنّ عليّا عليه السّلام كان لا يستعمل في حروبه إلاّ ما يوافق الكتاب و السنّة،و كان معاوية يستعمل ما يخالفهما كاستعماله ما يوافقهما و يسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لا فى كسرى، و كان علىّ يقول لأصحابه:لا تبدءوهم بالقتال حتّى يبدؤكم و لا تتّبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تفتحوا بابا مغلقا.هذه سيرته في ذى الكلاع و في أبى الأعور السلمى و في عمرو بن العاص و في حبيب بن مسلمة و في جميع الرؤساء كسيرته في الحاشية و الأتباع،و أصحاب الحروب إنّما يقصدون الوجه الّذى به هلاك الخصم و ينتظرون وجه الفرصة سواء كان مخالفا للشريعة كالحريق و الغريق و دفق السموم و التضريب بين الناس بالكذب و إلقاء الكتب في العسكر أو موافقا لها فمن اقتصر في التدبير على الكتاب و السنّة فقد منع نفسه الطويل العريض من التدبير و ما لا يتناهى من المكائد،و الصدق و الكذب أكثر من الصدق وحده و الحلال و الحرام أكثر من الحلال وحده فعلىّ كان ملجما بلجام الورع عن جميع القول إلاّ ما فيه للّه رضى،و ممنوع اليدين من كلّ بطش إلاّ بما دلّ عليه الكتاب و السنّة دون أصحاب