شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٩١ - الخطبة المائة و ستّون في ذكر ممادح النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم
المتلافية فإنّه استدرك بها ما فسد من نظام الخلق و تلافى بها ما هلك من قلوبهم و أسوّد من ألواح نفوسهم ،و الشرائع المجهولة طرايق دينه و قوانين شريعته الّتي لم يكن ليهتدى إليها إلاّ بظهوره،و البدع ما كانت عليه أهل الجاهليّة من الآثام و الفساد في الأرض،و الأحكام المفصولة ما فصّله و بيّنه لنا من أحكام دين الإسلام الّذي من ابتغى غيره دينا ضلّ عن سواء طريق النجاة فتحقّقت شقوته في الآخرة و انفصمت عروته:أى انقطع متمسّك النجاة في يده فعظمت عثرته في سفره إلى الآخرة و كان مرجعه إلى الحزن الطويل على ما فرّط في جنب اللّه و مصيره إلى العذاب المهلك في دار البوار .ثمّ أنشأ يتوكّل على اللّه توكّل المنيب إليه:أى الملتفت بقلبه عن غيره المسلّم بجميع اموره إليه،و يسأله الإرشاد إلى سبيله القاصدة إلى جنّته الّتي هي محلّ الرغبة إليه. مجازا إطلاقا لاسم المسبّب على السبب-استعارة ثمّ عقّب بالموعظة فبدء بالوصيّة بتقوى اللّه و طاعته و أطلق عليها لفظ النجاة مجازا إطلاقا لاسم المسبّب على السبب المادّى لكونها معدّة لإفاضة النجاة من عذاب يوم القيامة.و قيل: النجاة الناقة الّتي ينجى عليها فاستعار لفظها للطاعة لأنّها كالمطيّة ينجو بها المطيع من العطب ،و لفظ المنجاة إذ هي محلّ النجاة دائما ،و الضمير في رهّب و رغّب للّه:أى فأبلغ في وعيده و أسبغ الترغيب فاتمه و وصف الدنيا بالاوصاف الموجبه للرغبه عنها .ثم امر عليه السلام بالإعراض عن زينتها،و علّل حسن ذلك الإعراض بقلّة ما يستصحب الإنسان منها إلى الآخرة، و أراد الإعراض بالقلب الّذي هو الزهد الحقيقيّ،و إنّما قال:لقلّة ذلك و لم يقل لعدمه لأنّ السالكين لابدّ أن يستصحبوا منها شيئا و هو ما يكتسبه أحدهم من الكمالات إلى الآخرة لكن القدر الّذي يكتسبه المترفون من الكمالات إذا قصدوا بأموالهم و سائر زينة الحياة الدنيا الوصول إلى اللّه تعالى قليل نور،و مع ذلك فهم في غاية الخطر من مزلّة القدم في كلّ حركة و تصرّف بخلاف أمر القشف الّذين اقتصروا منها على مقدار الضرورة البدنيّة،و يحتمل أن يريد بالقليل الّذي يصحبهم منها كالكفن و نحوه ،و إنّما كانت أقرب دار من سخط اللّه و أبعدها من إطاعة اللّه لأنّ الميل فيها إلى اللهو و اللعب و الاستمتاع بزينتها المستلزم لسخط اللّه أغلب