شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٨٢ - الخطبة السابع و المائة في اقتصاص حال النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم
و بحسن تلاوته تظهر فايدته و تحصل منفعة قصصه،و إنّما يكون أنفع القصص إذا تلى حقّ تلاوته كما سبق بيانه .ثمّ أكّد الأوامر المذكورة بالأعمال الّتي عدّدها ممّا ينبغي أن يعمل على وفق العلم بالتنبيه على نقصان العالم الّذي لا يعمل بعلمه فسوّى أوّلا بينه و بين الجاهل العادل عن سواء سبيل اللّه،و وجه التسوية اشتراكهما في ثمرة الجهل و هو الجور عن قصد السبيل و في عدم الانتفاع بفائدة العلم و ثمرته و هي الأعمال الصالحة.ثمّ جعل حال العالم أخسّ لثلاثة أوجه :
أحدها:أنّ الحجّة عليه أعظم لأنّ للجاهلين أن يقولوا:إنا كنّا عن هذا غافلين.و ليس للعالم ذلك،و روى عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال:العلم علمان:علم على اللسان فذلك حجّة اللّه على بن آدم،و علم في القلب فذلك العلم النافع.أى الّذي يستلزم الطاعة بالعمل .
الثاني:أنّ الحسرة له ألزم.و ذلك أنّ النفوس الجاهلة غير عالمة بمقدار ما يفوتها من الكمال بالتحصيل فإذا فارقت أبدانها فهى و إن كانت محجوبة عن ثمار الجنّة و ما أعدّ اللّه فيها لأوليائه العلماء إلاّ أنّها لمّا لم تجد لذّتها و لم تطعم حلاوة المعارف الإلهيّة لم تكن لها كثير حسرة عليها و لا أسف على التقصير في تحصيلها بخلاف العارف بها العالم بنسبتها إلى اللذّات الدنيويّة فإنّه بعد المفارقة إذا علم و انكشف له أنّ الصارف له و المانع عن الوصول إلى حضرة جلال اللّه هو تقصيره في العمل بما علم مع علمه بمقدار ما فاته من الكمالات و الدرجات كان أسفه و حسرته على ذلك أشدّ الحسرات.و جرى ذلك مجرى من علم قيمة جوهرة ثمينة يساوى جملة من المال ثمّ اشتغل عن تحصيلها ببعض لعبه حتّى فاتته فإنّه يعظم حسرته عليها و ندمه على التفريط فيها بخلاف الجاهل بقيمتها .
مجاز الثالث:أنّه يكون عند اللّه ألوم ،و أشدّيّة اللائمة بعد المفارقة مجاز في انقطاع لسان حاله عن العذر في معصيته عن علم و إنّما يكون ألوم لأنّ إقدام العالم على المعصية الّتي علم قبحها إنّما يكون عن نفس في غاية الانقياد للنفس الأمّارة بالسوء و الطاعة لإبليس و جنوده طاعة تفضل على طاعة الجاهل و انقياده لقيام الصارف في حقّ العالم