شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٧٧ - كلامه الجارى مجرى الخطبة المائة و تسع و ثلاثين في النهى عن غيبة الناس
عنده و هى تأهيله و إعداده له،و الاستفهام على سبيل الإنكار أخذ بالتعجّب من ذمّ العائب لأخيه على ذنب.و هو في صورة احتجاج عليه في ارتكابه لهذا الذنب،و ذلك قوله: و كيف يذمّه.إلى قوله:يا عبد اللّه .فكأنّه يقول:لا يجوز لأحد أن يعيب أخاه لأنّه إمّا أن يكون بذنب قد ركب العائب مثله أو أكبر منه أو أصغر.فإن كان بذنب قد ركب مثله أو أكبر كان له في عيبه لنفسه شغل عن عيب غيره ،و إن كان ارتكب أصغر منه فهو ممنوع على تقدير جرأته على الغيبة و صدوره عنه لأنّها من الكباير،و إنّما قال:هى أكبر ما عند اللّه.إمّا مبالغة أو لأنّ المفاسد الّتى يشتمل عليها ارتكاب ساير المنهيّات جزئيّة و مفسدة الغيبة كلّيّة لأنّه لمّا كان من المقاصد المهمّة للشارع اجتماع النفوس على همّ واحد و طريقة واحدة و هى سلوك سبيل اللّه بساير وجوه الأوامر و النواهى و لن يتمّ ذلك إلاّ بتعاون هممهم و تصافي بواطنهم و اجتماعهم على الالفة و المحبّة حتّى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه، و لن يتمّ ذلك إلاّ بنفى الضغائن و الأحقاد و الحسد و نحوه،و كانت الغيبة من كلّ منهم لأخيه مشيرة لضغنه و مستدعية منه مثلها في حقّه لا جرم كانت ضدّ المقصود الكلّىّ للشارع فكانت مفسدة كلّيّة،و لذلك أكثر اللّه تعالى و رسوله من النهى عنها كقوله تعالى «وَ لاٰ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» ١حتّى استعار لما يقترضه الغائب من عرض أخيه لفظ اللحم و زاده تقبيحا و تكريها بصفة الميّت فقال «أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إيّاكم و الغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا إنّ الرجل يزني فيتوب اللّه عليه و إنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه،و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مررت ليلة اسرى بى فرأيت قوما يخمشون وجوههم بأظافيرهم فسألت جبرئيل عنهم.فقال:هؤلاء الّذين يغتابون الناس،و في حديث البراء بن عاذب:خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى أسمع العواتق في بيوتهنّ.فقال:ألا لا تغتابوا المسلمين و لا تتّبعوا عوراتهم فمن تتّبع عورة أخيه تتّبع اللّه عورته و من تتّبع اللّه عورته يفضحه في جوف بيته .ثمّ نهى عن الاستعجال و التسرّع إلى العيب،و نبّه على
١) ٤٩-١٢.