شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٧٨ - الخطبة السابع و المائة في اقتصاص حال النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم
و راقبوا مواقيت الحاجة و مواسم الخيرات و جعلوا قصدهم في الادّخار الإنفاق على قصد الحاجة دون التنعّم،و صرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البرّ،و هؤلاء لا يقتصرون على واجب الزكاة كالنخعىّ و الشعبيّ و مجاهد،و قيل للشعبىّ:هل في المال حقّ سوى الزكاة؟فقال:نعم أما سمعت قوله تعالى «أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ» الآية و استدلّوا بقوله تعالى «وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ» و لم يجعلوا ذلك مخصوصا بآية الزكاة بل هو داخل في حقّ المسلم على المسلم،و معناه أنّه يجب على المؤسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته بما يفضل عن مال الزكاة،و منهم من اقتصر على أداء الواجب من الزكاة من غير زيادة و لا نقصان و هى أدون الرتب و قد اقتصر مع العوامّ على ذلك لجهلهم بسرّ البذل و بخلهم المال و ضعف حبّهم للآخرة،و يلزم لهذا السرّ تطهير ذوى الأموال عن رذيلة البخل فإنّها من المهلكات قال عليه السّلام:
ثلاث مهلكات:شحّ مطاع،و هوى متّبع،و إعجاب المرء بنفسه،و وجه كونه مهلكا أنّه إنّما يصدر عن محبّة المال و قد علمت أنّ الدنيا و الآخرة ضرّتان بقدر ما يقرّب من إحداهما يبعّد من الاخرى فكانت محبّة المال صارفة عن التوجّه إلى اللّه و مبعّدة منه،و ذلك يستلزم الهلاك الاخروى كما بيّناه،و إنّما تزول هذه الرذيلة بتعوّد البذل.إذ حبّ الشيء لا ينقطع إلاّ بقهر النفس على مفارقته بالتدريج حتّى يصير ذلك عادة فالزكاة بهذا المعنى طهور:أى تطهّر صاحبها عن خبث البخل المهلك و إنّما طهارته بقدر بذله و فرحه و استبشاره بصرفه في جنب اللّه طاعة و محبّة له و ملاحظة لحذف كلّ محبوب عداه من سمت القبلة.
السرّ الثاني:شكر النعمة فإنّ للّه على العبد نعمة في نفسه و شكرها العبادات البدنيّة،و نعمة في ماله و شكرها العبادات الماليّة،و ليس أحد أخسّ و أبعد عن رحمة اللّه ممّن ينظر إلى فقير قد ضيّق عليه الرزق ثمّ اضطرّ إليه فلم يسمح نفسه بأن يؤدّى شكر اللّه تعالى على ما أغناه عن السؤال و أحوج غيره إليه بعشر ماله أو بربع عشره.
السرّ الثالث:يتعلّق بإصلاح المدن و تدبير أحوال أهلها و هو أن جعل اللّه هذا الفرض في أموال الأغنياء شركة للفقراء لأن يسدّ به خلّتهم،و إليه أشار عليه السّلام بكونه