شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٥٢ - الخطبة السادس و المائة في توحيد اللّه و تنزيهه و إجلاله و تعظيمه
الرابع:
كونه عزّ كلّ ذليل ،و قد سبق أنّ معنى العزيز هو الخطير الّذى يقلّ وجود مثله و يشتدّ الحاجة و يصعب الوصول إليه فما اجتمعت فيه هذه المفهومات الثلاثة سمّى عزيزا،و سبق أيضا أنّ هذه المفهومات مقولة بالزيادة و النقصان على ما تصدق عليه،و أنّه ليس الكمال في واحد منها إلاّ للّه سبحانه،و يقابله الذليل و ثبت أنّه تعالى عزّ كلّ موجود لأنّ كلّ موجود سواه إنّما يتحقّق فيه هذه المفهومات الثلاثة منه سبحانه الناظم لسلسلة الوجود و الواضع لكلّ من الموجودات في رتبته من النظام الكلّىّ فمنه عزّ كلّ موجود،و كلّ موجود ذليل في رقّ الإمكان و الحاجة إليه في إفاضة المفهومات الثلاثة عليه فهو إذن عزّ كلّ ذليل و إطلاق لفظ العزّ عليه كإطلاق لفظ الغنى .
الخامس:
و قوّة كلّ ضعيف :القوّة تطلق على كمال القدرة و على شدّة الممانعة و الدفع و يقابلها الضعف و هما مقولان بالزيادة و النقصان على من يطلقان عليه،و إذ ثبت أنّه تعالى مستند جميع الموجودات و المفيض على كلّ قابل ما يستعدّ له و يستحقّه فهو المعطى لكلّ ضعيف عادم القوّة من نفسه كماله و قوّته فمنه قوّة كلّ ضعيف بالمعنيين المذكورين لها،و روى أنّ الحسن قال:و اعجبا لنبىّ اللّه لوط عليه السّلام إذ قال لقومه:لو أنّ لى بكم قوّة أو آوى إلى ركن شديد أ تراه أراد ركنا أشدّ من اللّه تعالى.و إطلاق لفظ القوّة عليه كإطلاق لفظ الغنى أيضا .
السادس:
كونه مفزع كلّ ملهوف :أى إليه ملجأ كلّ مضطرّ في ضرورته حال حزن أو خوف أو ظلم كما قال تعالى «ثُمَّ إِذٰا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ» ١«وَ إِذٰا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّٰ إِيّٰاهُ» ٢فكلّ مفزع و ملجأ غيره فلمضطرّ لا لكلّ مضطرّ و مجاز لا حقيقة و إضافيّ لا حقيقىّ،و هذا الاعتبار يستلزم كمال القدرة للّه لشهادة فطرة ذى الضرورة بنسبة جميع أحوال وجوده إلى جوده و يستلزم كمال العلم لشهادة فطرته باطّلاعه على ضرورته،و كذلك كونه سميعا و بصيرا و خالقا و مجيبا للدعوات و قيّوما و نحوها من الاعتبارات .
١) ١٦-٣٣
٢) ١٧-٦٩.