تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٩٦ - «و لا تطع منهم آثما أو كفورا»
الدعوة إلى ارتكاب تلك المآثم، و التشجيع عليها أكثر فعالية، و أعظم أثرا.
و قد نهى تعالى عن إطاعة الكفور، و هو المكثر من الكفر، أو الشديد فيه، من حيث إنه يبذل جهدا قويا لتجاهل و طمس معالم نعم اللّه الظاهرة عليه، كما أنه يقاوم بشدة دواعي الهداية الفطرية، و العقلية، و الشرعية من أن تؤثر في ضبط حركته، و التخفيف من غلوائه و طغيانه.
فهو كفور بلحاظ درجات المقاومة و مراتبها، فكأنّ هذه المراتب تتضاعف: حتى ليصحّ أن يقال لفاعلها: إنه كفور.
كما أنه يكثر من هذا الكفران، بسبب كثرة تلك النعم، و كثرة تلك الدواعي التي هيأها اللّه له، رحمة به، و حدبا عليه. فهو كفور من حيث كثرة صدور مظاهر التجاهل لألطاف و نعم اللّه منه، و ظهورها على جوارحه.
و لكنه .. يسعى دائما للتمرد على ربّه، و الخروج عن زيّ العبودية، و يبذل جهدا، و يكرر المحاولة في هذا السبيل.
فإذا اقترنت هذه الشدّة، و تلك الكثرة، بصيرورة هذا الكفور داعية إلى التمرد و إلى الطغيان، و إلى ستر و تجاهل نعم اللّه، و التنكر لألطافه، و رفض كل هداياته .. فإنه يصبح أشدّ كفورية، و يكون عمله هذا أعظم درجة في القبح و السوء، لأنّه يجعل نفسه في موقع المواجهة مع فطرته، و عقله، و وجدانه .. الذي لا يرضى منه إلا أن يكون شاكرا للمنعم عليه، مؤديا فروض العبودية لسيده، و خالقه، و مالك رقّه.
و مهما يكن من أمر، فإن قوله تعالى: وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً .. يدل على أن حامل همّ الدعوة إلى اللّه، الذي يعيش حالة الانضباط التام، و الانسجام مع الفطرة، و مع نواميس الحياة، و يلتزم بهدى