تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٦٨ - الضمير في«قدروها»
«قدّروها»:
و إن دقة الصنع و حسن هندسة الشيء، و مطابقة المراد و المطلوب للضوابط، لهو أمر ترتاح له النفوس، و تلتذ به الأرواح، سواء أكان ذلك الضبط و الدقة في ناحية المضمون،- و تركيبة العناصر، و التقدير للنواحي الهندسية-، أم كان تقديرا لما يوضع فيها، من حيث اشتماله على المقادير المطلوبة في الطعم، و اللون، و الرائحة، و الاشتداد، و الانسياب، و اللزوجة، و غيرها من صفات ..
و أما لماذا لم يقل: قدّرت تقديرا، بل قال: «قدّروها» فلعله لأجل إظهار الاهتمام بالدلالة على فاعل هذا التقدير ..
ثم أكد الفعل بالمصدر، فقال: «تقديرا» ربما للتدليل على أن هذا التقدير قد جاء عن قصد، و عناية، و استجابة لمقتضيات واقعية، تدخلت في صنعها إرادات للأبرار، و هي التي فرضت هذه الأشكال، و الأحجام، و المسافات، و الحالات على ما هي عليه ..
و لو أنه قال: قدّرت، فلعله يفهم من ذلك: أن الجنة قد خلقت وفق هندسة معينة، بغص النظر عن إرادات و أفعال العباد، و أن اللّه يريد أن يسكن فيها من أطاعه، لكي يستفيدوا منها، على ما هي عليه، من دون أن يكون لهم أي دور أو اختيار في هندستها، و صنعها، و طبيعة تكوين الأشياء فيها ..
الضمير في «قدّروها»:
و قد قال: قدروها، و الظاهر أن الضمير عائد إما إلى الملائكة، أو إلى الأبرار، و لعل هذا هو الأنسب، إذ لا حديث عن غيرهم، و لا يصح إرجاع الضمير إلى لفظ الجلالة، لأنه ضمير جمع .. و لا إلى الولدان المخلدين،