تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٨٨ - لماذا هذه التفاصيل و الدقائق؟
لماذا هذه التفاصيل و الدقائق؟:
و نحن إذا نظرنا إلى هذه الآيات القليلة، من بداية السورة، و إلى هنا، نجد أنها قد تناولت الإنسان موضوعا، و تحدثت عنه و عن نشأته و حياته، بشمولية و دقة، لا حدود لهما، و بينت إلى أي مدى تصل حساسية هذا الموضوع، و أن أهميته هي بحجم الإنسان نفسه، الذي انطوى فيه العالم الأكبر ..
فبدأت السورة بالحديث عن التكوين المادي، و المعنوي، و العقلي، و المشاعري، و غير ذلك. في بضع آيات استهلها اللّه تعالى بإثارة السؤال الكبير: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ..
و هو استفهام يراد به الإنكار، ليتوصل من خلاله إلى التأكيد على أن الإنسان لم يزل موضع الاهتمام و الرعاية الإلهية .. مستدلا على ذلك، بما ظهر من بديع خلقة الإنسان، الذي أودعت فيه قوى ينشأ عن احتكاكها بالواقع من حولها ابتلاء، ثم بلورة و نمو ظاهر في أسباب العلم و وسائله، حيث أصبح بسبب ذلك شديد السمع، حديد البصر، و هذه الوسائل هي التي تمكنه من إدراك الحقائق، ليصبح السبيل- الذي يفترض فيه أن يسلكه لنيل الأهداف الكبيرة- ظاهرا و واضحا له ..
و هذه الوسائل هي تلك الهدايات الإلهامية، و الفطرية، و الحسية، الظاهرية منها، و الباطنية، و العقلية، و التشريعية التي أشرنا إليها أكثر من مرة ..
ثم هو قد أعطاه الاختيار .. حتى إذا اختار طريق الخير، فكان من أهله، فإنه يستطيع أن يشرب ما أمكنه من كأس؛ مزاجها الكافور الذي يفيد في إصلاح و إبعاد الشوائب، التي قد تعلق بعمل الخير ذاك، و يسهم في تنقيته و تصفيته، و إعداده بالصورة الصالحة ..
و تلك الكأس هي مصدر للخير لا ينضب، و هو كفيل بصناعة