تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٧١ - «مشكورا»
«مشكورا»:
و قد ألمحنا آنفا إلى أن اللّه سبحانه قد اعتبر نفس سعي الإنسان في سبيل الخير مهما كان مستوى نتائجه و حجمها- اعتبره- ذا قيمة على كل حال .. بل هو قد رفع من مستواه إلى حد أنه اعتبره بمثابة هدية له تعالى، و بلغ الأمر حدا بحيث انفصلت عوائد و فوائد ذلك العمل عن العامل، و لحقت به تبارك و تعالى، فاستحق ذلك العامل الشكر بإزاء هذا الذي تخلى عنه ليصبح لغيره، و هذا الغير هو اللّه سبحانه، الغني، و الخالق، و المالك ..
و هذا غاية التكريم من اللّه سبحانه لعبده المؤمن، فإنه- و هو المالك، و المعطي له كل القدرات، و كل الهدايات- قد ملكه عمله، و جعل نفعه يعود عليه، ثم أعطاه عليه جزاء، ثم زاده أن اعتبر نفع ذلك العمل يعود عليه هو سبحانه، و وعده عليه بالشكر، بل و شكره عليه بالفعل، بل كان له منه الشكر الدائم و المستمر ..
و إثبات المشكورية لسعي الأبرار، يؤكد أن إثبات الجزاء عليه كان بسبب الاستحقاق، لأن الشكر يتضمن اعتبار سعي الأبرار الذي يفترض كونه لهم- اعتباره- لغيرهم، و أنهم قد استحقوا الشكر عليه، لتخلّيهم عنه لصالح ذلك الغير، حسبما بيّناه ..
و لكن ذلك كله إنما هو في مقام التصوير، الذي يسهم في إدراك المقاصد العالية، و ليس على نحو الحقيقة .. و لكن الجزاء و الكرامة التي يتجسد معنى الشكر فيها، هي تلك الحقيقة التي يراد الإرشاد إليها ..
و لا بد أن يدرك الأبرار هذه المعاني، و أن تكون من أسباب نعيمهم و بهجتهم بهذا الكرم الإلهي الغامر، و هذا الفضل العميم ..