تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٩٣ - خصوصية البيان القرآني
فمثلا قوله تعالى: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ[١] .. دليل عقلي يفهمه البشر جميعا، و يتضمن الإعجاز الذي يؤكد وجود اللّه سبحانه للناس كلهم .. فإن الخصوصية التي يريد اللّه أن يفهمها للناس، ثابتة في كل عصر و زمان، حتى لو لم يعد للإبل دور يذكر في حياة البشر- و هي خصوصية باقية يعرفها البشر جميعا، أو يمكنهم الاطلاع عليها على مر الزمان، و ليست مرهونة بالحاجة إلى الإبل و عدمها ..
كما أنه حين بيّن في هذه السورة أن الأبرار يطعمون الطعام على حبه مسكينا، و يتيما، و أسيرا .. قد بدأ ببيان تفاصيل الجزاء لهم، و الذي جاء نتيجة ممارسة، و جهد، و حركة، و عمل حياتي، و عطاء منهم ..
و الممارسة و الجهد مرتكز إلى حوافز عقيدية، و منطلق من نظرة معينة للحياة، و من قناعات و مشاعر، و من تكوين نفسي، و فكري، له خصوصيته و فرادته .. و ليس ناشئا عن حالة عفوية، و لا مرتكزا إلى أمور خارجة عن حياة الإنسان .. بل هو تضحية متعمّدة، يحمل معه قرارا بالتنازل عن علاقة في مقابل علاقة أخرى ..
و هذا بالذات يفسر لنا سبب بدء السورة بإعطاء تصور عن واقع و نشأة الإنسان، و عن سيره التكاملي، و عن إعطائه الاختيار في أن يفعل، و أن لا يفعل، و عن أن اختياره، و جهده هو الذي يوصله إلى هذه النتائج في الآخرة ..
[١] سورة الغاشية الآية ١٧.