تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٥٨ - جبرية المشيئة
و لو أن إرادة اللّه تعالى تعلقت بالفعل مباشرة، من دون توسيط اختيار الإنسان، لكان ذلك هو الجبر الباطل بعينه ..
و أما لو كنت أنت الذي تشاء و تريد، و تختار، مستقلا في الإرادة و المشيئة، و في الاختيار، و إيجاد الفعل .. فيكون هذا هو التفويض الباطل بعينه.
و بذلك يتضح: أن هذه الآية الشريفة هي من موارد القاعدة المشهورة التي قررها أئمتنا صلوات اللّه و سلامه عليهم، و التي تقول: لا جبر و لا تفويض، و لكن أمر بين أمرين.
و لأجل ذلك لم يأت التعبير في الآية المباركة: «ما تَفْعَلُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ»، فإنه لو قال ذلك، لكانت الآية دالة على الجبر، لأن تعليق إرادة اللّه بفعلنا مباشرة معناه: أنه تعالى يوجد تلك الأفعال بمحض مشيئته ..
و ليس للعباد أي دخل في ذلك.
و لكنه لما قال: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ .. فإن مشيئته تعالى قد تعلقت بالمشيئة و الإرادة للناس التي هي محرك و طاقة و قوة فإذا وجدت هذه الطاقة و القوة و الإرادة، و المشيئة لدى الإنسان، فإنه هو الذي يختار أن يعلقها بهذا الأمر أو بغيره. كما قلنا.
و بصورة أكثر إيجازا نقول:
قد يقال: إن المراد بالآية هو: أن للهداية أصولها و نواميسها، و السير في طريقها إنما هو بقرار من الإنسان نفسه .. و هذا القرار لا يأتي قسرا عن اللّه سبحانه، بل يبقى له تعالى درجة من التأثير في فعل الإنسان و في مشيئته، من حيث إنه قادر على شل حركته، و منعه من الاختيار، و من الفعل على حد سواء. تماما كما هو الحال بالنسبة للنهر الجاري باتجاه