تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٥٢ - «تذليلا»
فالقطوف تتمنع بحسب طبعها، و للتغلب على هذا التمنع لذة و نشوة. و لذلك تجد أنه لو جيء لك بقطف لتأكله، فإنك لا تهتم له، و لا تلتذ به بمقدار ما لو قطفته أنت عن الشجرة.
و بذلك يكون اللّه سبحانه قد بيّن لنا: أن في الجنة لذة التذليل، و رؤية حالة الانقياد بعد الاستعصاء و التمنع.
«تذليلا»:
و فائدة الإتيان بالمفعول المطلق هنا هو التأكيد على معنى التذليل، و هي لذة السيطرة و التمكن من الطبيعة. الأمر الذي كان يعجز الإنسان عنه في الدنيا ..
إن النعيم في الآخرة، ليس بأكل تلك القطوف، بل هو بالتغلب على امتناعها .. و هو ما كان يطمح له في الدنيا، و يسعى للحصول عليه، فكان يخترع له الآلات، و يهيء الأموال ليستخدمها في ذلك التذليل[١] أما في جنة الآخرة، فقد أصبح كل شيء مذللا، فلا يحتاج إلى جهد، و قد سقط نظام الوسائل بكلمة واحدة هي: وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا، لأن نظام الجنة يختلف عن نظام الدنيا.
[١] إن الأعمال في الدنيا منصبة بصورة عامة على هذا الأمر بالذات، فالإنسان يطلب الولد، و يستفيد من الوسائل الموصلة إليه، و يطلب المال فيتوسل له بالبيع و الشراء، مثلا، و يطلب الحب و الثمر فيتوسل له بالزراعة، و يطلب الشفاء، فيستخدم العلم و المال للحصول عليه، و يطلب الانتقال، فيستخدم وسائله من سيارة و دابة و غيرهما.
و يخترع مكبرات الصوت و الطائرة، و يطلب الجنة فيتوسل لها بالأعمال الصالحة.