تفسير سورة هل أتى - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٥ - لذة الاستحقاق
كحال ذلك السجين الذي يجبر على بعض الأعمال الشاقة .. بل هو صبر و حصانة قد اختاروها أنفسهم و اختاروا هم الفعل الذي ينتجها ..
و يلاحظ هنا: أنه لم يذكر للصبر أي متعلق، ربما ليفيد أن صبرهم هذا كان شاملا، فهو صبر على الطاعات، فلا يملون منها، و صبر عن المعاصي، فلا يقربونها، و صبر على المصائب و البلايا. و صبر على الأذى في جنب اللّه، و ما إلى ذلك ..
و كل صبر لهم في هذه الموارد لم يأت على أساس العجز عن اختيار الطرف الآخر، أو الاضطرار إلى التحمل، بل كما يضطر المحتاج لبيع ما غلا، بثمن بخس، من أجل سد حاجته، بل هو صبر الاحتساب، و هو الصبر الواعي، الذي تنتجه إرادتهم، و يدفعهم حبهم للّه لاختياره.
إنه صبر أنتجه لهم إطعامهم الطعام للمسكين، و اليتيم، و الأسير، على النحو الذي وصف اللّه و رسوله .. و ينتجه لهم الوفاء بالنذر، و ينتجه أيضا خوفهم من يوم كان شره مستطيرا ..
و هذا ما يفسر لنا السبب في أنه تعالى قال: بِما صَبَرُوا، و لم يقل:
جزاهم بصبرهم، فإن التعبير بالمصدر قد يوحي بأن هناك أمرا أو شدة قد فرضت عليهم، و أنهم قد تحملوها. و هذا ما ليس بمراد قطعا ..
كما أن ما ذكرناه في معنى الباء، إذا أضيف إلى سائر ما أشرنا إليه، يجعلنا نعرف السبب في أنه لم يقل: «على صبرهم».
لذة الاستحقاق:
و لا بد لنا هنا من بيان: أن الجزاء على عمل فيه معاناة، و صبر، و إحساس بالاستحقاق له لذة أخرى تضاف إلى لذة نفس العطاء، من حيث هو عطاء ..